العبر نوعية في الأدب العربي الحديث: سقوط العصمة والقداسة عن الفن القصصي
11/09/2008 - 13:09

العبر نوعية: النظرية والإشكالية

إن نظرية الأدب تتغير بناء على تغير القيم الاجتماعية. والمجتمع العربي منذ الستينيات من القرن الماضي شهد تغيرات بعيدة المدى، ونتيجة لذلك طرح النقد عدة أسئلة حول الأدب واللغة وعلاقتهما بعضهما ببعض وعلاقتهما بالحياة والمجتمع. ومن ضمن هذه الأسئلة تحوّل النص/العمل الأدبي إلى أفق مفتوح يعمل كمِرجل تغلي في داخله عدة نصوص تنتمي لأنواع أدبية مختلفة كتبها عدة مؤلفين ينتمون إلى فترات تاريخية مختلفة. وهذا ما دعاه النقد الأدبي بالتناصّ (Intertextuality).[1] وتأتي هذه الدراسة للإجابة عن بعض هذه الإشكاليات من الناحية اللغوية والأسلوبية.

إن الكتابة عبر النوعية هي الكتابة التي تحفل بتناصات متشابكة من حكايات إلى أمثال، نوادر، قصص، مسرحيات، روايات، شعر، مقامات... إلخ، وكذلك الامتزاج مع أنشطة فنية وغير فنية: سينما، صحافة... إلخ، بحيث تفقد هذه الكتابة انتماءها لنوع أدبي واحد.[2]

في الأدب الحداثي وما بعد الحداثي ادعى بعض النقاد أن نظرية الأنواع الأدبية سقطت ولم تعد فاعلة، إذ يمكن النظر إلى العمل المفرد كنوع قائم بذاته، وذلك من منطلق السعي نحو التجديد الذي يميز الأديب الحقيقي غير المقلد في كل عمل يقدمه. وهكذا حل النصّ محل النوع.

لكن من ناحية أخرى، حتى يتم تجاوز النص لا بدّ من قواعد معينة للنص السابق يخرج عليها النص الجديد؛ فعملية الخروج على نص ما هي في حد ذاتها عملية تصنيف. صحيح أن مجموعة النصوص تختلف بعضها عن بعض، وكل نص له سماته الخاصة، لكن لا بدّ من وجود ملامح مشتركة بين هذه النصوص: شكلية كانت أم مضمونية. هذا المشترك هو ما يغرينا بالتشبث بنظرية الأنواع الأدبية ليس بمفهومها الكلاسيكي الذي يكرّس الثبات، بل برؤية جديدة تبرز الجديد والمختلف أكثر من الاهتمام بالمشترك.[3]

يرى د. مصطفى بدوي أن تجليات الحداثة العربية تختلف عن الحداثة الغربية: "إن موقف الأديب المعاصر يتميز ببعض الصفات التي تلائم أسلوب الأدب الحديث؛ منها المأساة والتشتت والتحلل وانهيار القيم التقليدية وضياع الفرد في جهاز الدولة المعقد وفقدانه لفرديته، لا لغلبة الآلة والتكنولوجيا الحديثة على حياته، لكن لاعتبارات سياسية تعسفية، واجتماعية واقتصادية قهرية".[4]

ثم يواصل قائلاً: "إن الأدب الذي يعبّر عن ذاتنا المعاصرة هو أدب معاصر أو حديث. وذاتنا المعاصرة متأثرة بالغرب وبفنون الغرب وآدابه. وهي ذات ممزقة ومختلفة جدًا عن الذات العربية التقليدية على الصعيد الفكري والاجتماعي والحضاري على حد سواء".[5]

هذه الذات المعاصرة، هي إذًا، ذات مغتربة. ويتجلى هذا الاغتراب أكثر ما يتجلى في غربة المثقف والأديب، الذي لم يعد ذلك القائد الفاعل في المجتمع المعاصر حين كان يحتل مكانة مرموقة في كماله الرومانسي، أو نقده الواقعي، كمحام ومدافع عن الطبقات الفقيرة والمسحوقة.

الأدب الحداثي أو بعد الحداثي يبرز عدم اهتمامه بقضايا المجتمع من خلال عدم اهتمام الأدباء بالتنظير لأدبهم، أو من خلال ابتعادهم عن الظهور كنقاد. هذا يؤكد عدم اهتمام الحداثيين بالجمهور، وكأن الكاتب يكتب لنفسه أو لمجموعة محدودة من المثقفين والأدباء. وهو بذلك يؤكد الانكفاء على الذات والابتعاد عن المهمة الإيصالية للأدب.

يرى د. صبري حافظ أن ما بعد الحداثة "هي المنطقة التي تلتقي فيها وثائقية الواقع العياني التاريخية مع شكلية النـزعة التأملية والباروديا، أو المحاكاة الساخرة للكتابة داخل الكتاب".[6]

فما بعد الحداثة هي الإقرار بفشل عملية نقل الواقع في الأدب، سواء كان ذلك الواقع خارجيًا أو داخليًا. فمهما كانت عملية نقل الواقع حيادية، أو مهما كانت صادقة، تبقى هناك ثغرات في التعامل مع الواقع تدع الطرف المعارض للواقعية يرفض هذه الرؤية ويتهمها بعدم الصدق مثلاً، أو يتهمها بعدم الحيادية والسعي إلى أدلجة الأدب.

يبدو أن رد فعل ما بعد الحداثة على عملية الفشل في نقل الواقع قادت إلى تقوقع الأدب في "برج عاجي"، إذا صح التعبير، أو انصراف الأديب إلى قضايا وآليات تجعله ينتمي إلى ما يسمى بـ"أدب النخبة".

إن هاجس الحيادية الذي سيطر على المجتمع الحداثي وعدم تفضيل الموضوعي على الذاتي، أو الذاتي على الموضوعي، دفع الأدب الحداثي إلى الدعوة إلى التعددية التي تعني التعايش بين الموضوعي والذاتي. لقد كانت المدرسة الواقعية تدعو إلى تأكيد الموضوعي في الأدب، بينما بعض المدارس التي تلتها، مثل تيار الوعي والسوريالية والانطباعية (Impressionism) والتعبيرية (Expresionism) وغير ذلك من المدارس، جاءت لتؤكد الجانب الذاتي على حساب الموضوعي. وتأتي ما بعد الحداثة لتنادي بالتعددية. وهذه التعددية تعني عدم تفضيل جانب على آخر. وكانت التعددية سببًا في انفراط عقد الأنواع الأدبية وتداخلها، إذ فقدت هذه الأنواع عدة سمات تميزها بعضها عن بعض، وهذه السمات تقع تحت خانة الموضوعي والذاتي.

النص الواعي بذاته

إن الأزمات السياسية والاجتماعية التي تزايدت حدتها في العالم العربي في الستينيات من القرن الماضي، كما أشرنا أعلاه، دفعت كثيرًا من الكتّاب إلى العودة إلى ذواتهم وإلى إعادة النظر في العديد من المسلمات، ومن ضمنها المسلمات الثقافية والأدبية. وليس التجريب الأدبي إلا أحد روافد هذه المحاسبة وإعادة النظر في المسلمات، أما الخروج على هذه المسلمات وتجاوزها فيشكل رافدًا آخر؛ وهذا يعني كسر الحواجز بين الأنواع الأدبية كنوع من الثورة والرفض وعدم الانصياع للقوانين والحواجز والتعليمات.

هذا الرفض أو الخروج على المسلمات تمثّل في تجاوز الأشكال والمضامين: الخروج في اللغة والأسلوب والمبنى، والخروج في المضامين، ومعالجة قضايا قد تبدو هامشية وغير ضرورية في الحياة الأدبية. إن الخروج على المضامين الكبيرة، وهو أكثر الجوانب وضوحًا في النوع الأدبي، انعكس في تناول قضايا تهم الفرد لا المجتمع، بل وصل ذلك إلى الاستغراق في القضايا التي تهم الأديب وثلة الأدباء. فظهرت النصوص الواعية بذاتها، أو ما يمكن تسميتها بأدب ما وراء الأدب (Metaliterature)، وهو الأدب الذي يتحدث عن التجربة الذاتية الإبداعية، حيث نجد الكاتب يتحدث عن تجربته ومعاناته في كتابة الأدب أو فهمه للأدب، أو في صراعه مع نفسه وهو ينتقي ويبني شخصياته، أو يصوغ أسلوبه ويبحث عن بداية ملائمة أو نهاية مقنعة لعمله الأدبي.

كل ذلك يعني أن الأدب بدأ ينعزل عن القضايا الكبرى التي تهم المجتمع ويُعنى بقضايا في غاية الذاتية.

إذا ما تحدثنا عن الأدب التخييلي: القصة القصيرة، الرواية والمسرحية، فالإعلان عن القضايا التي تهم الأديب في داخل عمله الأدبي والانشغال بهذه القضايا علنًا، معناهما القضاء على العديد من عناصر العمل الأدبي التخييلي. أحد هذه العناصر التقليدية هو عنصر الإيهام بالواقع (Illusion of reality)، وهو إيهام القارئ بأن العمل الأدبي الذي يتناوله هو واقع لا حبر على ورق. وحين يقوم الراوي بالظهور من بين السطور ليتحدث عن معاناته مثلاً، في كتابة قصته أو تردده في البداية التي يختارها بلغة علمية أو بلغة النقد أو البحث الأدبي، فإنه يقضي على عنصر الإيهام بالواقع الذي يعتبره الأدب التخييلي إحدى دعائمه الأساسية.

صنع الله إبراهيم في روايته ذات يفتتح الرواية هكذا:

نستطيع أن نبدأ قصة ذات من البداية الطبيعية، أي من اللحظة التي انزلقت فيها إلى عالمنا ملوثة بالدماء [...] لكن بداية كهذه لن يرحب بها النقاد [...] بالإضافة إلى هذا، فإن النظرية العصرية لفن القص هي نظرة حسية ذكورية تمامًا [...] لماذا نذهب بعيدًا ولدينا مدخل طبيعي، محمّل بقدر عال من الدراما، بل الميلودراما، ونقصد بذلك لحظة الصدمة الكبرى، ليلة الدخلة؟.[7]

تكنيك آخر لكسر النوع هو المحاكاة الساخرة (Parody)، وهي تكنيك لتفكيك النوع وإلغاء "العصمة والقداسة" عن تقاليد الأنواع، على حد تعبير الموسوي.[8]

هذه الباروديا هي إقرار بعجز الكاتب عن نقل الواقع، أو السخرية من هذا "الصدق الفني" الذي يبدو ساذجًا في لغته المفرطة في التأنق الرومانسي. وإدوار الخراط يستعمل ذلك في عدة أعمال له، نقتبس منها ما يلي، وهو يسترجع ذكريات غابرة:

النيل هنا ساحر رائع، فالمنحنى الذي يتعرج فيه مجراه يمنحه سعة وجلالاً فسيحًا مهيبًا، فهو هنا أشبه ما يكون ببحيرة ساكنة رقراقة هائلة الاتساع [..]

وفي الجانب الآخر يبدو الجبل الأشم وقد كست تربته غلالة شفيفة شاملة تميل إلى لون المرمر المغبّر صبغتها أشعة الغروب لونًا ورديًا رقيقًا تتراوح بين ثناياه ظلال ساحرة تختبئ فيها الجنيات الرشيقة، بينما تجثم عند قدمي الجبل حقول منبسطة خضراء ترتفع فيها هنا وهناك نخلات حانية كعرائس الجن الهيفاء وقد حلت غدائرها، أو كمردة منتصبة تحرس النيل من غوائل خفية رهيبة. (لا لا استطيع الآن أن أترك هذه اللغة المسرفة في "رومانسيتها" دون أن اقول، مثلاً: "يا سلام" أو "غن يا وحيد غن" أو شيئًا من هذا القبيل. هل عفا الزمن على هذه "الرومانسية" المغرقة؟ أم هي ما زالت كامنة عندي، أقاومها وأمتثل لها في الوقت نفسه؟ رومانسية أحترمها مع ذلك وأحنّ إليها).[9]

هذا النص الرومانسي لا يتركه الكاتب على عواهنه، بل يتوقف ليعلق عليه ويحوّله إلى نص عفا عليه الدهر، وإن كان ما زال يتوق إلى تلك اللغة التي يرى أنها لا تعبّر عن الحاضر. بهذه المحاكاة السـاخرة أيقظ الكاتب القارئ من استغراقه أولاً، وثانيًا ظهر الكاتب مقدّمًا نصًا واعيًا بذاته من خلال طرحه لقضية فنية قد لا تهم القارئ بقدر ما تهم الأديب والمشتغلين بالأدب.

السرد بين التشييء والفيلم السينمائي

التشييء يعني هنا اللامبلاة في سرد التفاصيل الخارجية والإحجام عن الدخول إلى خبايا النفس. وعندئذ يبدو السرد ككاميرا تصوّر الأحداث من الخارج بكل ما للكاميرا من محدودية في كشف الأحاسيس، وبكل ما فيها من رحابة واتساع في اصطياد التفاصيل والوقوف عندها، أو المرور عليها سريعًا، أو تقديم صورة بانورامية، إلى غير ذلك من التكنيكات السينمائية التي تنعكس على اللغة فتبدو تقريرية خالية من الأحاسيس.

هذه الظاهرة نجدها في قصص إبراهيم أصلان وروايات صنع الله إبراهيم. وهذا مثال من قصة قصيرة باسم "ولد وبنت" لإبراهيم أصلان، تحكي قصة لقاء بين فتى وفتاة، نقتبس منها القسم الأخير:

أنزل يده من على كتفها، وانحرفا إلى طريق جانبي، وضاقت خطواتهما قليلا: (حوار) قالت الفتاة بصور خافت وهي تشيح بوجهها إلى بعيد: (حوار) وتوقفت بجوار أحد الأعمدة الحديدية وتوقف هو أيضًا. وقالت الفتاة مرة أخرى: (حوار) واستدارت إليه، ورأى كل منهما الآخر في ضوء المصباح الكهربائي، ونقلت حقيبتها إلى يدها الأخرى وضحكا.[10]

إلى جانب الإهمال الواضح في هذه القصة للأبعاد الداخلية للشخصية وتقديم الأحداث بصورة باردة خالية من الأحاسيس التي يتوقعها القارئ من قصة تصف اللقاء بين فتى وفتاة، ثمة ميل واضح في هذه القصة إلى إيراد تفاصيل كثيرة، لكنها تبدو مبتورة وغير كاملة. وهذه التفاصيل المبتورة تدفع القارئ إلى البحث عن العناصر الغائبة في النص، وهي عملية ذهنية تُدخل إلى نفس القارئ ما يسميه نقاد الأدب بـ"اللذة الفنية"، وذلك من خلال تحفيزه على المشاركة في العملية الإبداعية. وتتكاتف هذه المشاركة الفاعلة مع فكرة الناقد الفرنسي رولان بارت حول موت المؤلف، والتي أحدثت خلخلة كبيرة في المفاهيم الأدبية وحوّلت مركز الثقل من المؤلف إلى القارئ الذي له الحق في التصرف بالنص. فالمؤلف هنا لا أهمية له، والقارئ هو صاحب النص، ولما كان القارئ متعددا ومختلفا حسب ثقافته ومنبته وغير ذلك، فقد تحوّل النص إلى نص متعدد النصوص.[11]

في قصة "ولد وبنت" مثلاً يتساءل القارئ عن "الثلاثة" الذين تذكرهم الفتاة: "إنها الثالثة التي تعرف حكايتنا الآن، بعد سنة وثلاثة شهور".[12] أو اللغز الذي تدور حوله القصة وهو لون عيني الفتاة. والقصة كذلك لا تعتمد على الحبكة القصصية، فهي مجرد لقاء بين الفتى والفتاة والحديث عن مواضيع مختلفة دون أن يكون هناك مسار واضح للأحداث.

إن انزواء الحبكة القصصية التي تمثّل أحد مقومات القصة والاستعاضة عنها بالمشاهد التي تشبه السيناريو الذي لا يعتمد على السببية أو التسلسل المنطقي، تجعل القارئ يقف أمام نص سردي لا يخضع لمقومات القصة. وفي النهاية يبحث القارئ عن الإطار الذي يلم أجزاء هذه القصة، فلا يجده، لأن الإطار غير موجود بالمفهوم التقليدي. وهذا يضع القارئ كذلك أمام مشكلة المضمون أو الرسالة التي تسعى القصة إلى إيصالها.

برغم التفاصيل الكثيرة التي تظهر في النص، إلا أن الشخصيات لا تتمتع بالوصف الجذاب، بل تبدو كأنماط مفقودة السحنة والهوية والاسم، ومقدمة بلغة قريبة من اللغة الصحفية: إنها لغة الكاميرا. ينطبق هذا مثلاً على رواية ذات، فالبطلة الرئيسية تحمل اسم ذات، وهو اسم غير واقعي بالطبع ويحمل من الغموض والعدمية ما يرسّخ كونها شخصية فاقدة للسمات والهوية.

القصة-القصيدة

من الظواهر الهامة في الكتابة عبر النوعية ما يطلق عليه إدوار الخراط "القصة القصيدة"، ونصيب السرد في هذا النوع الأدبي يتضاءل بينما يزداد نصيب الشعر. ومع ذلك، فالتعامل مع هذا النوع من النصوص هو أن المعيار فيها معيار قصصي.[13]

هذا ما نجده في أعمال إدوار الخرّاط وزكريا تامر وكثير من الكتاب الحداثيين. إذ تبدأ القصة وكأنها تقدّم واقعًا ملموسًا يجد له معقولية ومنطقية على أرض الواقع، فيظن القارئ أن النص الذي يتلقاه لا يعدو كونه قصة أو رواية ذات مرجعية واقعية، ولكن في لحظة معينة، ودون سابق إنذار، ينقلب النص على نفسه ويتحول إلى فانتازيا أو حلم، أو وقائع يستحيل تصديقها أو إحالتها على الواقع.

فوزية رشيد، الكاتبة البحرانية، تسرد في قصتها "القمر"[14] حكاية فتاة بدوية تحب القمر وتستمتع برؤيته والسهر معه رغم تحذيرات أهلها بعدم التحديق كثيرا في القمر، ثم تنقلب القصة إلى فانتازيا حين تحمل هذه الفتاة من القمر. والقصة ليست مستعصية على التحليل، لكنها لا تتعامل مع الواقع بمقياس واحد أو رؤية واحدة، بل تمزج بين الواقع والحلم.

لغة القصة تقترب من الشعر في بعض مشاهدها كما نلحظ عبر النصوص التالية:

لكنها تحب القمر... تعشق اكتماله البعيد... وتلك الخيوط الفضية تلامس جناح اشتعالها.

- تفتح عينيها وبوابة الخيال كل مساء، ليكتظّ العمر بفتنة الهوى.

- تمتشق معه صهوة الريح وتسافر في الضوء بعيدًا عن العزلة والخوف والحصار.

- يجوبان بكارة الأشياء، الفراشات ترفرف بأرديتها القزحية ومعها يسرحان في فضة الجسد ليفتح الوجه النوراني في مسامها عبق الرائحة.

- امرأة وسطح بيت متوحد مع الحلم وخيال ينفلت من إطار البوصلة الرتيبة إلى سحر العناصر الكامنة في دمار الراهن.[15]

هذا النص يغري القارئ بالانشغال بما يسميه ياكبسون الوظيفة الشعرية للغة، إذ يزداد تأمل الكاتب/القارئ في النص: "إن استهداف الرسالة بوصفها رسالة والتركيز على الرسالة لحسابها الخاص هو ما يطبع الوظيفة الشعرية للغة".[16]

وقد تنبّه ياكبسون إلى وجود الوظيفة الشعرية في النصوص غير الشعرية، إذ يقول: "ولا تؤدي كل محاولة لاختزال دائرة الوظيفة الشعرية إلى الشعر، أو لقصر الشعر على الوظيفة الشعرية، إلا إلى تبسيط مفرط ومضلل".[17] أو قوله: "لا يمكن للسانيات وهي تعالج الوظيفة الشعرية أن تقتصر على مجال الشعر".[18]

هكذا إذًا تعبر بعض النصوص من المجال السردي القصصي إلى المجال الشعري ويتحول التعامل مع هذه النصوص إلى تعامل مختلف، فيقف القارئ على ما تثيره الوظيفة الشعرية للغة من تمعّن في الرسالة والوقوف على الجوانب المختلفة للنص من الناحية المبنوية والأسلوبية واللغوية.

كسر الحواجز

في خروجه على الأعراف والمسلمات الأدبية وكسره للحواجز، يسعى الأدب الحداثي إلى طرق مواضيع تصدم الذائقة الأدبية وتجرح القارئ المعتاد على الأدب الرومانسي أو الواقعي أو المحافظ، وذلك حين ينفتح النص لإدخال قضايا محرّمة إلى حرم الأدب ولإبعاد ما في مستودع الذخيرة الأدبية من عناصر تمأسست وتحوّلت إلى موتيفات مطروقة أو مستهلكة.

أحد هذه العناصر التي تدخل إلى حرم الأدب الأعمال الروتينية التي يقوم بها الفرد بينه وبين نفسه، في خلوته بعيدًا عن العيون. وهذه الأعمال يعتبرها الأدب الواقعي ومدارس أخرى شبيهة أمورًا إنسانية خاصة لا تساهم في العملية الأدبية ولا حاجة لصدم القارئ بها.

إن القصة الحديثة بطرقها مواضيع هامشية كهذه تتنازل عن تقديم الشخصيات الأدبية في انغلاقها الفني، إذ تتكشف أمام القارئ من خلال أمور تصورها كشخصيات فاقدة للقيمة أو الأهمية. إن "الحصانة" التي تتمتع بها الشخصيات الأدبية تنبع من كونها ذات محدودية معينة تكتسبها عبر تصويرها من جوانب محددة. أما الجوانب الخفية في حياة الناس العاديين والتي تحطّ من قدرهم إذا ما مورست علنًا، فهذه الجوانب لا تذكر في الأعمال الأدبية من منطلق أنها لا تساهم في العملية الإبداعية.

في رواية ورود سامّة لصقر[19] يمكن أن نجد وصفًا لا يخطر ببالنا في قبحه وعدم جماليته واستنكاف الأدب عن التطرق له، إنه ليس وصفًا لقبلة أو عناق أو سردًا للقاء ساخن بين حبيبين في مكان رومانسي. وقد يخطر ببالنا أنه وصف لعملية جنسية أو فورنوغرافيا زرقاء. إنه وصف لعملية تغوّط فتاة، بكل ما في ذلك من غرابة. وخلال عملية التغوّط يقوم البطل بممارسة الجنس مع الفتاة، كما يرد في المثال التالي:

في الجو الثقيل الضاغط. بين الجدران العتيقة. الأعمدة والرخام. باب المرحاض مكسور. عيناي كانتا هناك. بين فخذيها. أرى الغائط ساخنًا. تتصاعد الأبخرة. قلت: اعطني. قالت: اعقل يا صقر. كانت تمرغت وانفتحت. يسيل في يدي سائل لزج. أعتصر.[20]

ليس الشيطي وحده هو الذي دخل إلى هذه المناطق غير المطروقة في الأدب، فصنع الله إبراهيم اقتحم هذه المناطق في روايتيه: تلك الرائحة وذات؛ ففي تلك الرائحة عدة مشاهد تصدم الذوق الأدبي، أحدها وصف عملية لواط بين رجل وصبي في السجن.[21] وموقف آخر حين يخرج البطل الراوي رائحة كريهة بقرب طفلة، فتردد الطفلة أنها تشم "رائحة كاكا. فجعلتُ أتشمم حولي وأقول لها: أين؟ حتى اختفت الرائحة".[22]

وفي نهاية وصفه للفراغ والضياع يسرد الراوي تجربته مع فتاة من بائعات الهوى، وكيف فشل في مضاجعتها.[23]

وفي رواية ذات تتكرر مشاهد كثيرة مشابهة عن علاقة بين ذات وزوجها عبد المجيد خلال الخطبة وليلة الدخلة.[24] وجميع هذه المواقف تقدَّم بصورة مليئة بالقبح وخالية من الرومانسية تمامًا.

الكولاج في رواية ذات

رواية ذات عبارة عن كولاج أو مونتاج محكم بين السرد القصصي السوداوي والأخبار المأخوذة من جذاذات الصحف التي تصوّر الوضع المأساوي في مصر. وهذا المزيج من السرد والأخبار يخلق جوًا في غاية الكدر والتشاؤم.

تنتمي هذه الرواية في سردها إلى المدرسة التشييئية التي تحوّل الأشخاص إلى أشياء بعيدة عن الراوي والقارئ. وتعمل في هذه الرواية عناصر الاغتراب والتبعيد والتحييد، إلى غير ذلك من العمليات التي تقف حاجزًا بين النص والقارئ. وظيفة القارئ ليست مهمة سهلة؛ فهو يقوم برأب الصدع بين الجذاذات المختلفة من ناحية وإجراء عمليات المقارنة والمفارقة بينها، ومن ناحية ثانية ربط هذه الأخبار والتقارير مع النص السردي.

وفي حالة كهذه، فإن عملية السرد أو القص بمفهومها التقليدي تصاب في الصميم، إذ أن الراوي في المقاطع السردية ليس هو الراوي نفسه في جذاذات الصحف؛ فبينما الراوي في المقاطع السردية هو الراوي العالم بكل شيء، فإن منظّم جذاذات الصحف وجامعها هو المؤلف نفسه.

تأتي الفصول السردية والصحفية بشكل متتالٍ، بحيث يأتي بعد كل فصل سردي فصل صحفي؛ فعلى سبيل المثال نورد موقفًا قصصيًا ثم نوازي بينه وبين الأخبار التي لها علاقة به، ولنلاحظ الفرق الواضح بين اللغة في كل نص:

ففي اليوم التالي لجلسة المحكمة الأولى وعند عودته من السوق محملاً باحتياجات العشاء [...] رأى حذاءً نسائيًا، خاليًا بالطبع، ملقى أمام باب جاره. ورغم انهماكه في حساب ما أنفقه [...]، فإنه استطاع [...] أن يلقي نظرة متأنية على الحذاء، أمدّته باكتشافين: الأول أن الحذاء موضوع بعناية فوق فرشة من المطاط [...] والثاني أنه موضوع بتشكيل غير مألوف يبدو متعمدًا: فالفردان مقلوبين ومتعامدين [كذا] على هيئة الصليب.

أدركت ذات بغريزتها الأنثوية، السر من نظرة واحدة، فقالت بعد أن أصبح عبد المجيد داخل الشقة وأغلقت الباب: "عمايل الأم". استفسر عبد المجيد في براءة: "عمايل إيه؟" زادت في الإيضاح: "شبشبة، فنعل الحذاء في وضع الصليب كفيل بإحباط المكائد وردّ الكيد إلى صاحبه".[25]

مقابل هذا الموقف نلاحظ العديد من الأخبار الدينية التي يأتي بها المؤلف كنوع من الخلفية لهذا التصرف. هذه الأخبار ليست مرتّبة، لذا يحتاج القارئ إلى الربط بينها وانتقائها. وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

* نجم كرة السلة مدحت وردة: "حلقت شعري لوجه الله، تعالى، وبدأت الالتزام، فأطلقت اللحية وسألتُ علماء كثيرين وقرأت وتأكدتُ أن عورة الرجل من السرّة حتى الركبة، فقررتُ إطالة الشورت لينسدل حتى ركبتي، لأمارس الرياضة دون معصية لله في شيء".[26]

* الشيخ محمد متولي شعراوي في التلفزيون: "صليتُ لله شكرًا يوم هزمت مصر في 1967".[27]

* الشيخ متولي الشعراوي: "عمل المرأة إهدار لكرامة الرجل".[28]

* الشيخ متولي الشعراوي: "المرأة اضطرت للخروج إلى العمل، لأن الرجولة للأسف أصبحت خائرة".[29]

* الأزهر الشريف يؤمن بقضاء الله وينعى إلى الأمة الإسلامية قائدًا من أعظم قادتها المعاصرين، الرئيس محمد ضياء الحق، أخلص لأمته وصدق في جهاده واعتز بدينه وآثر الحق وعمل بشرع الله.[30]

* الإخوان المسلمون يذكرون للرئيس الباكستاني عاطفته الإسلامية المتأججة وتمسّكه بآداب الإسلام وأخلاقه وشعائره ومساندته العظيمة لمجاهدي أفغانستان.[31]

* مجلة فورتشون الأمريكية: "سلطان برونوي هو أغنى رجل في العالم (52 مليار دولار)، يليه الملك فهد خادم الحرمين الشريفين (18 مليار دولار).[32]

* إمام مسجد النور بمدينة ملوى: "النصارى أفسد وأضل عقيدة من عبدة الأصنام".[33]

* الشيخ متولي الشعراوي في التلفزيون: "لم أقرأ كتابًا غير القرآن منذ أربعين عامًا".[34]

* جريدة مايو لسان الحزب الوطني الحاكم، التي أسسها السادات ويرأسها عبد الله عبد الباري وأنيس منصور: "فضيلة الشيخ الشعراوي يهدي جنًا كافرًا إلى الإسلام".[35]

* وزير الداخلية: "الإمام الشافعي قال إنه يجوز للحاكم أن يقتل ثلث السكان في سبيل أن يحيا الثلثان في أمان".[36]

* جريدة مايو: "فضيلة الشيخ الشعراوي يقهر عفريتًا احتل جسد أحد الشبان".[37]

* قارئة الطالع الحاسبة من كاسيو تنبئك فورًا بطالعك وتوفّقك مع الآخرين في الصحة والحظ و الحب".[38]

ما من شك أن قراءة هذه الأخبار التي انتزعت من الفصل التالي للسرد المذكور أعلاه، تقدّم لنا صورة واضحة عن المجتمع المصري بحيث لا نستغرب تفكير ذات أو تفكير من وضع الحذاء بطريقة معينة "لمنع السحر". كما أن الجهد الذي يبذله القارئ في الترتيب والتنظيم والمقارنة يضفي على الرواية لونًا خاصًا لم تعهده الرواية العربية.

التجذير والكولاج

يرى د. صلاح فضل أن سمتي التجذير والكولاج اللتين تطغيان على نص حبيبي في روايته خرافية سرايا بنت الغول،[39] سببهما إحساس الكاتب بالانخلاع الذي يتهدد هويته الثقافية. "إنه يتشبث بحرفه وتراثه معًا في استماتة موجعة".[40] هذا الوعي الحادّ بالتأصيل اللغوي وارتباطه بظاهرة التوثيق يسفر عن ظاهرة التغريب التي تميز كتابة حبيبي. لذلك نرى د. صلاح فضل يقول: "لغة إميل حبيبي كولاج تراثي، لأنها مزروعة في سياق معادٍ لها، ومن ثم فهي شديدة التنبّه لمصدرها، والتشبث بانتمائها، وافتعال التجذّر في كل خطوة لها".[41]

إن الهوامش الكثيرة التي تزين رواية حبيبي سرايا بنت الغول تعمل بصورة واضحة لنقل هذا العمل من نوع الرواية إلى نوع آخر لم تشهده الرواية العربية. إنه يقترب في عناصره من رواية ذات التي تعتمد على الكولاج، فرواية حبيبي تعتمد كذلك على هذا التكنيك من خلال الهوامش التي يضعها الكاتب في ذيل الرواية. إن الهوامش من عند الكاتب نفسه، بينما المادة القصصية-الخيالية في متن الرواية فهي من عند راوي الرواية. على أية حال هذه هي الحقيقة البسيطة والظاهرة، ولكن القضية أكثر عمقًا من ذلك بكثير، فرواية حبيبي هي مجمع للعديد من الأنواع الأدبية،[42] والخوض في ذلك يخرج بنا عما أراد هذا المقال.



1 Tery Eagleton, The Significance of Theory, Oxford, 1990, pp. 25-27. أنظر كذلك: صبري حافظ، "التناصّ وإشاريات العمل الأدبي"، ألف، عدد4، 1984، ص7-32. وكذلك: Roland Barthes, "From Work to Text", in: Josué Harari, Textual Strategies: Perspectives in Post-Structuralist Criticism, Cornell University Press, Ithaca, 1979, pp. 73-81.

2 أنظر: خيري دومة، تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة 1960-1990، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998. وكذلك: صلاح الدين بوجاه، مقالة في الروائية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1994، وخاصة مقالته "الرواية العربية بين لغة النص ولغة القص"، ص59-73، وفيها يناقش تعدد الأنواع من قصيدة إلى ملحمة إلى مشهد مسرحي أو قصصي في الرواية.

3 حول هذه الإشكالية في مقولة اللانوع في أدب ما بعد الحداثة، أنظر: خيري دومة (ترجمة وتقديم)، القصة الرواية المؤلف، دراسات في نظرية الأنواع الأدبية المعاصرة، دار شرقيات، القاهرة، 1997، وخاصة مقالات جوناثان كلر، "نحو نظرية لأدب اللانوع"، ص191-198، وكذلك رالف كوهين، "هل توجد أنواع ما بعد حداثية؟"، ص215-228.

4 محمد مصطفى بدوي، قضية الحداثة ومسائل أخرى في النقد الأدبي، دار شرقيات، القاهرة، 1999، ص24.

5 ن.م.، ص24-25.

6 صبري حافظ، "ما بعد الحداثة في جديد القصة المصرية"، إبداع، عدد1، يناير 1999، ص19.

7 صنع الله إبراهيم، ذات، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1992، ص9-10. حول التداخل في رواية ذات، أنظر: حسن محمد حماد، تداخل النصوص في الرواية العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص143-199.

8 محمد جاسم الموسوي، انفراط العقد المقدس، منعطفات الرواية العربية بعد نجيب محفوظ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999، ص16.

9 إدوار الخرّاط، "على صخور السماء"، العربي، عدد 497، أبريل 2000، ص97-98.

10 إبراهيم أصلان، يوسف والرداء، فصول، القاهرة، 1987، ص8-9.

11 Roland Barthes, "The Death of the Author", in: David Lodge (ed.) Modern Literary Theory, London, 1988. ترجم المقال حول موت المؤلف إلى العربية، أنظر: رولان بارت، نقد وحقيقة، مركز الإنماء الحضاري، حلب، 1994، ص15-24. أنظر كذلك: عمر أوگان، لذة النص، أو مغامرة الكتابة لدى بارت، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1996، ص59-64. وكذلك رشيد يحياوي، مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1991، وخاصة الفصل: "رولان بارت، مبدأ الكتابة واستقلالية النص"، ص32-38.

12 إبراهيم أصلان، يوسف والرداء، ص5.

13 إدوار الخرّاط، الحساسية الجديدة: مقالات في الظاهرة القصصية، دار الآداب، بيروت، 1993، ص29، 339-345. أنظر كذلك: إدوار الخرّاط، الكتابة عبر النوعية، دار شرقيات، القاهرة، 1994. حول تجارب في الكتابة عبر النوعية انظر: الخراط، أصوات الحداثة، دار الآداب، بيروت، 1999، ص37-40.

14 فوزية رشيد، "القمر"، كتاب في جريدة رقم 9: مختارات من القصة النسائية العربية، تموز 1998، ص13-14.

15 ن. م.، ص13-14.

16 رومان ياكبسون، قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1988، ص31. أنظر مقاله حول علم اللغة والشعرية: Roman Jakobson, "Linguistics and Poetics", in Style in Language, MIT Press, Cambridge, Massachusetts, 1966, pp. 350-377.

17 ن. م.، ص31.

18 ن. م.، ص31.

19 أحمد زغلول الشيطي، ورود سامّة لصقر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993.

20 ن. م.، ص43.

21 صنع الله إبراهيم، تلك الرائحة، دار شهدي، القاهرة، 1986، ص26-27.

22 ن. م.، ص35.

23 ن. م.، ص49.

24 صنع الله إبراهيم، ذات، ص11-16.

25 ن. م.، ص289.

26 ن. م.، ص297.

27 ن. م.، ص297.

28 ن. م.، ص299.

29 ن. م.، ص299.

30 ن. م.، ص303.

31 ن. م.، ص303.

32 ن. م.، ص305.

33 ن. م.، ص306.

34 ن. م.، ص306.

35 ن. م.، ص316.

36 ن. م.، ص317.

37 ن. م.، ص318.

38 ن. م.، ص318.

39 منشورات عربسك، حيفا، 1991.

40 صلاح فضل، أساليب السرد في الرواية العربية، دار سعاد الصباح، الكويت/القاهرة، 1992، ص165.

41 ن. م.، ص167. حول تحديث التراث، أنظر: الخراط، أصوات الحداثة، ص211-232.

42 أنظر: محمود غنايم، المدار الصعب، منشورات الكرمل، جامعة حيفا، ومنشورات الهدى، كفر قرع، 1995، ص249-271.