صدر عن مجمع اللغة العربية في حيفا العدد السادس عشر من "المجلة" لعام 2025، وهي مجلة علمية محكمة، رئيس هيئة التحرير فيها: البروفيسور مصطفى كبها - رئيس مجمع اللغة العربية. وتتكون هيئة التحرير من البروفيسور حسين حمزة ، نائب رئيس المجمع ، البروفيسور إسماعيل أبو سعد، عضو إدارة المجمع، د. أمينة حسن، المديرة العامة للمجمع، د. دوريت غوتسفلد - عضو مجمع اللغة العربية، د. كوثر جابر - عضو إدارة المجمع.
يركّز العدد السادس عشر من مجلّة المجلّة على محور فكريّ يشغل الأوساط الثقافيّة والأكاديميّة والفكريّة والإبداعيّة، على مختلف منابعها ومشاربها وتفرّعاتها، وهو الجدل حول "الحداثة وما بعد الحداثة"، وهو جدل يحاول أن يضع الحدود ويصوغ الأوّليّات ويوضح المصطلحات المستعملة في الخطاب والسرديّات المتعلّقة بمختلف جوانب الإبداع والتفكير والتعبير عنهما بشتّى الوسائل والأدوات. ونظرًا للأهمّيّة البالغة لهذا الجدل الذي يستعر أواره في العقود الأخيرة، في ظلّ ثقافة العولمة وسيطرة الحضارة الرقميّة وانعكاسات وارتدادات ذلك على كلّ نواحي الحياة البشريّة، رأى القيمون على المجلة أن يفردوا عددًا كاملًا منها يتناول تجسيدات وأمثلة من حقول معرفيّة وإبداعيّة متعدّدة بشكل يجيب، ولو بشكل مقتضب، عن الأسئلة الكثيرة والمهمّة والتي تثار حول الحدود والمنهجيّات والتطبيقات والمعاني التي يشملها هذا الجدل.
يتكوّن هذا العدد من خمسة مقالات تتعلّق بمحور العدد وهو موضوع "الحداثة وما بعد الحداثة"، وثلاث مراجعات لكتب، بعضها يتعلّق بالمحور والبعض الآخر يستعرض آخر إصدارات مجمع اللغة العربيّة في حيفا.
في المقال الأوّل، "الحداثة المؤجّلة: سمات حداثيّة سابقة في أدب توفيق فيّاض"، تقوم د. كوثر جابر بتحليل ظاهرة "الحداثة المؤجّلة" في الأدب العربيّ من خلال نموذج أعمال الأديب الفلسطينيّ توفيق فيّاض (ولد 1939)، وتحديدًا رواية المشوّهون (1963) ومسرحيديّة بيت الجنون (1965). وتخلص الدراسة إلى أنّ النصوص الحداثيّة قد تسبق زمانها، وتنتظر ظروفًا أدبيّة وثقافيّة أكثر نضجًا للاعتراف بقيمتها وتأثيرها.
أمّا في المقال الثاني، الذي يحمل عنوان "الخطاب الحِجاجيّ في الشعر العربيّ الحديث، "أنا يوسف يا أبي" نموذجًا"، للبروفيسور حسين حمزة، فيتعرّض الكاتب بإيجاز لمفهومَي الخطاب والحجاج، ثمّ يسعى إلى تطبيق أبرز مفاهيمهما المبنيّة على اللغة والموقف التواصليّ والسياق، كذلك تتحدّد فيه سمات النصّ الحجاجيّ وتجلّياته في النصّ موضوع الدراسة الذي يعتبر جزءًا من سيرورة تطوّر الشعر العربيّ الحديث.
وفي المقال الثالث للدكتور هارون شحادة، الذي جاء تحت عنوان "الحداثة والرواية المغربيّة في مرحلة التأسيس، محمّد زفزاف: التجربة والسرد والإيهام"، يسعى الكاتب إلى دراسة عيّنة من الروايات المغربيّة في مرحلة التأسيس لمحمّد زفزاف، وذلك لدوره وبصمته في هذا التأصيل. ويتّخذ البحث نظريّات السرد الحديثة الّتي أفرزتها الحداثة وصولًا لنقطة التماسّ مع ما بعد الحداثة وفق تقويم الغرب منشئها، بحيث تكون هذه الأدوات، وعلى رأسها النموذج العامليّ لغريماس، معينًا له ومنهجًا في آليّة التحليل السيميائيّ.
في المقال الرابع "الحداثة وما بعد الحداثة والتفكيكية في السرديّة التاريخيّة العربيّة" للبروفيسور مصطفى كبها، يحاول الكاتب تتبّع الجدل القائم حول الخطاب التاريخيّ العربيّ بين الحداثة وما بعد الحداثة والتفكيكيّة، ثم يحاول ربطها مع ما يجري من جدل حوله في الأجواء الثقافيّة العربيّة، ويرى مدى مواكبة حلبة الجدل في العالم العربيّ لما يجري عالميًّا، ومدى إسقاطات ذلك على منتوج الكتابة التاريخية السردية.
في المقال الخامس، والذي يحمل عنوان "كتابة حداثيّة عكس التّيّار: أسلوب الخرّاط المتأخّر " للبروفيسور ياسين كتاني، يُلقى الكاتب الضوء على فضاءات الحلم والفانتازيا في نهايات الفصول، كما تمثّلت في نصوص إدوار الخرّاط المتأخّرة، وخاصّة ترابها زعفران (1986).
في قسم مراجعة الكتب، وفي المراجعة الأولى، يستعرض الأستاذ رضا جابر كتاب "حرب المصطلحات في الصراع العربيّ الإسرائيليّ – دلالات تسميات المواجهات والعمليّات العسكريّة" للبروفيسور عبد الرحمن مرعي مؤكّدًا على "الدور الرائد الذي يقوم به الكتاب في فهم سياقات توظيف المصطلحات وكيفيّة أدلجتها وتجنيدها في السرديّات التاريخية".
وفي المراجعة الثانية، يستعرض الأستاذ عمر عاصي كتاب لكل عين مشهد 2: تسميات الأماكن في قضاء حيفا الانتدابيّ - أبعاد لغويّة وتاريخيّة وجغرافيّة واجتماعيّة"، للبروفيسور مصطفى كبها والصادر عن مجمع اللغة العربية في حيفا، 2024. قائلًا: "تجاوز دور هذا العمل مجرّد سرد أسماء الأماكن، مقدّمًا توثيقًا للذاكرة المكانيّة والتاريخيّة لقضاء حيفا، مع محاولة تفسير معاني وأصول أكثر من 3000 تسمية".
وفي المراجعة الثالثة، كتب البروفيسور غالب عنابسة مراجعة لكتاب سامي الشايب الحداثة وما بعد الحداثة، الصادر عام 2021 عن دار السلام في تونس، مبيّنًا ما قام به المؤلّف من مراجعة لآراء ومعتقدات وتوجّهات كثيرة تتعلّق بكيفيّة تناول الشرق والشرقيّين لأفكار الحداثة وما بعد الحداثة الغربيّة.
نأمل أن يجد قرّاء هذا العدد في الموادّ الدسمة التي يحويها موئلًا يغذّي نهم الفضول، ومنهلًا لمعرفة كلّ جديد في موضوع الحداثة وما بعد الحداثة، والذي يشغل مساحة لا بأس بها من مساحات الجدل المعرفيّ ومحاولات تأطيره وتفسير ظواهره المتعددة.