رحلتي.... في رحاب لغتي
رحلتي.... في رحاب لغتي



منذ أن شرعت أقرأ، وأعي ما أقرأ، أخذت لغة القرآن تتنفس في وجداني بيانًا وإيقاعًا وإمتاعًا. كنت أنهض من النوم على قراءة والدي لسورة (الكهف) أو (مريم) وسواهما، فأشنف أذني بهذا الخشوع ....وأحاول أن أتدبر- وأنا على فراشي- معنى هذه الكلمة وتلك، وأُكثر من استعمال المعجم أو كتب التفسير حتى أعي المعنى .

ثم تمكنت بصبر غريب أن أطالع معجم المنجد كله ، لأدوّن ما أحب من كلمات

ارتأيت أن أعرفها، أو لأصوب خطأ شائعًا، أو لأخطّئ هذه العبارة أو تلك.

وظلت هذه "الآفة" تلاحقني ....فلا يكاد يخطب خطيب إلا رأيت أن هناك خطبًا في اللغة ، بسبب اللحن والركاكة أو التكرار أو الإطالة المملة ،أو كلها معًا ولا يكاد يكتب كاتب ويسلم من ملاحظاتي- إذا أحب أن يسمعها فعلاً ، وإذا كان يتقبلها بتسامح، وما أندر ذلك التسامح!

وأسعفني على هذه "الحراسة" الطوعية للفصيحة أنني عدت إلى كتب "النحوالواضح" و"مبادئ العربية" و "سلم اللسان" فحفظتها... أو على الأقل تدارستها . وكان لتدريسي مادة العربية دافع لأن أدرس " البلاغة الواضحة" ، وأمثلة الكتاب فيها ، وأحفظ القصائد الكثيرة التي أعلمها خاصة.... وأتابع كتب "تيسير الإنشاء" المختلفة ، وأدْرس العروض وحدي، ذلك لأننا لم نلَقّـَن هذا العلم في المدارس ، ولا في الجامعة.

وكانت دار الإذاعة قد أعلنت عن إجراء مسابقات في اللغة والأدب، يحظى الفائز فيها بجائزة مالية، إضافة إلى هذه الجائزة المعنوية التي لا بد منها إعلاميًا. فشاركت في مسابقة عن المتنبي وشعره، وحفظت آنذاك _سنة 1966 مئات الأبيات، وشاركت كذلك في مسابقة عن الشعر الهجري، و أخرى عن الخنساء، وكنت الفائز الأول فيهما. بيد أن مسابقة القرآن الكريم كانت مفصلاً هامًا في حياتي،فقد تقدم نحو خمسين مرشحًا للفوز بجائزة "حفظ القرآن الكريم-الفائز الأول".

وبعد إجراء امتحانات تحريرية وشفهية حظيت بالجائزة المميزة (آذار 1967)، ولم يتسنَّ لي ذلك لولا هذا الحفظ الذي خَصصت له وقتـًا طويلاً، وكنت أقف في ذلك على كل شكل لحرف.... مما يدعوني أحيانًا لأتساءل عن إعراب هذه الكلمة أو معنى تلك، .....والتساؤل هو بداية البحث- كما هو معروف-.

وبرغم هذا الجو المحافظ الأصيل، فقد تركت لنفسي فسحة.. لكل تجديد، وكانت جملة طه حسين عن اللغة : ".....ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها " التي كنت استمع إليها في مقدمة البرنامج اللغوي الإذاعي(أبجد هوز) محفزًا لي على التسامح في بعض الأمور اللغوية. (وسأتناول ذلك بعد سطور)...... ذلك لأن مارون عبود الذي قرأته في أواسط الستينيات كان له تأثير ملموس على توجهي اللغوي والأدبي؛ يقول عبود في كتابه "مجددون ومجترّون" :

"فالتقليد داء أدبنا الوبيل،هو تصلب شرايين قلب الأدب العربي.. قال الشاعر العربي:وسقى ضريحَك صيّبُ القطر، والله لا أدري لماذا هذه السقيا ، أ ليفرخ وينبت ويصير دمنة ترعاها الإبل والشاء؟ أم لترتوي كبده الباردة؟

أما نحن فأعدنا كلامهم بلا تفكير، ورددنا ما قالوه أجيالاً، ولم نتساءل لماذا؟...... وأما نحن فما يجعلنا نقول مثلهم؟... ألسنا نقول هذا لأننا نفكر بعقول غيرنا؟؟! ".

****

رأيت أن لغتنا "يسر لا عسر" ، وقد كتبت للأستاذ محمد علي سعيد الذي جشم نفسه في إعداد كتاب"كنوز اللغة العربية"-لطلاب المدارس الابتدائية، سنة 1980 - أن هذه المجموعة لا تقدم غذاء لغويًا صحيًا، بل جرؤت على القول إنها تنفره من لغته ، إذ ليس ثمة ضرورة أن يعرف التلميذ كنى وألقابــًا عفا عليها الزمان- كأن يعرف أن "أم ليلى" هي الخمرة، وأن "أبا خالد" هو الكلب ، "وأم دفر" هي الدنيا.

ثم ما حاجة التلاميذ لمعرفة صوت الدب بأنه (القهقاع) وصوت القفل، وكذلك العقرب والفيل والخنزير والفأرة أنه (الصَئِيّ) وأن(الشبرق) هو صغير القط و(الخرنق) صغير الأرنب.

وتبقى مشكلة لفظ كل حرف وحرف ، وكيف يجب أن ننطق الكلمة. وأكرر ذلك كيف يجب أن ننطق كل كلمة؟

من هنا فإننا مدعوون للابتعاد عن التكلف والثقل في مثل هذه الألفاظ ، وذلك حتى تكون لغتنا مأنوسة لطيفة محببة .

وثمة من يسألني هنا : لقد قدمت أنت برامج إذاعية لغوية ..... ومنها " وقفة مع اللغة " وقبل ذلك كتبت في " صدى التربية " في أواسط السبعينيات ست عشرة حلقة عن اللغة الصحيحة التي ترتئيها وهي " من أحشاء اللغة " ، فلماذا تسلك سبيلاً تحرمه على غيرك ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) ؟ فماذا تبغي ؟ أفصح !

وقد أجبت عن هذا السؤال في كتابي " أدبيات " – مواقف نقدية " ( ص 173 ) وبينت رؤيتي في فهم اللغة وتطورها ، إذ أنني أصبو إلى ما يلي :

- أن نلفظ الكلمة الصحيحة كما اتفقت عليها المعاجم – دون اللجوء إلى الشاذ الغريب .

- أن ألفظ – على سبيل المثال - عَدي ( بالفتح ، وليس بضم العين التي تعني تصغير عدو ) ، وألفظ عَرَف - بفتح الراء ، وأقول حَـيْـرة ( مصدر حار ) ... الخ ، كما يجب الانتباه إلى صحة لفظ الأسماء التاريخية ونحوها .

- أن نحافظ على النحو والصرف بالقواعد المتبعة المألوفة ، فلا أجيز " جاء أباك " حتى لو كانت هناك عشرات الشواهد . فعلينا مثلاً في الصرف أن نقول " ظرف معيش " لا " معاش " ولا نقول : " " الدولتان الأعظم " وقس على ذلك . ومع ذلك فثمة مجال للاشتقاق هنا وهناك ، إذا جرى ذلك على أصول ومنطق صرفي معين .

- أن نتقبل الشائع إذا كان صحيحًا ، أو أن نجد له تخريجًا لغويًا ، فلماذا ألفظ " على الرُّغم " بضم الراء – ما دام الفتح فيها جائزًا ، وما دامت هذه الطريقة طريقة لفظنا المألوفة ؟!

- أن نستعمل الكلمة الأعجمية الشائعة في لغات العالم ، وذلك إذا لم يكن لها بديل دقيق يؤدي دلالتها تمامًا ، فأنا أستعمل في كتابتي " التلفزيون " و " الرادار " و " الكاسيت "و" الفيتامين " .... الخ ؛ بل لا ضرورة للمزدوجين في كل منها . لقد أدخل العباسيون مثلاً كلمات مستحدثة وعرّبوها ، فلا جناح علينا أن نسير سيرتهم . ومن يستصعب ذلك فعليه الر جوع إلى كتاب " لحن العامة " للزُّبيدي " عندها سيُفاجأ بكثير من الكلمات والألفاظ التي يريد صاحبنا أن يخرجها من دائرة العربية ....مع أنها اليوم في صميم اللغة وفي كل المعاجم .

- أن ننحت ونولد كلمات جديدة ، فقد قمت شخصيًا بابتداع ألفاظ على نحو : " حتَّن " بمعنى وافى بآخر المستجدات ( ويستعملونها في المغرب حيَّن ) وقد أنشأتها من لفظتيْ ( حتى الآن ) ، وأوجدت كلمة ( مَشْرى ) للمجمَّع التجاري و المِجواب للرد الآلي في الخلوي ، و( الواقنسية ) للشعر الواقعي الرومانسي و ( الاجتأدبي ) مختصرة من الاجتماعي – الأدبي ، وثمة كلمات أخرى كثيرة لا مجال هنا لذكرها ، وكلها تدل على محاولاتي الجادة بأن تظل العربية سائدة . وسائغة على الألسن ، ولكل امرئ ما نوى .

- وكذلك الأمر أن نتقبل التعبير والأساليب التي لم يكن للعربية القديمة بها عهد ، ولن يضار اللغة أن نسوق لها عبارة مترجمة عن لغة أخرى ، فهذه اللغات أنهار تتلاقى شئنا أم أبينا . وتبقى هنا مسألة الذوق في قبول هذا الأسلوب أو رفض ذاك .

***

إن شجرة اللغة قد تتساقط منها أوراق ذوت ، أو تراها أصبحت هشيمًا تذروه الرياح ، لكن هذه الأوراق ( أعني الألفاظ والتعابير ) سرعان ما تستبدل بأوراق أخرى يانعة دعت إليها الحاجة واستلزمها الظرف ، والشجرة تبسق أصيلة شامخة . وهذا الفرع منها إذا انكسر فإنه لا يغير من اطراد نموها ، وسيظل أصلها ثابتًا وفروعها الأخرى في السماء . ونحن العرب في هذا الوطن نصارع يوميًا في سبيل الحفاظ على أسباب حياتنا وتطورنا ، ونحن نصطدم بواقع مغاير – واقع متحرك دينامي في المجتمع الإسرائيلي ، وعلى لسانه لغة تحاول أن تأخذ من حضارتي وتراثي الكثير من فولكلور وألفاظ وآثار ، حتى وصلنا بسبب هذه القوة الحضارية – اعترفنا أم لم نعترف – إلى أن هذه اللغة أخذت تقحم الجملة العربية ، بل تتداخل في نسيج التعبير ، وأضحى شبابنا ومثقفونا ( من محامين وأطباء واختصاصيين وتكنولوجيين ) يكررون على مسامعنا كلمات هي بالعبرية الفصحى .

هزني ذلك فكتبت مقالتي اللغة " العِـرْبِـية " عن اللغة التي لا هي عربية تعرف ، ولا عبرية تفهم ، فالأولاد يأخذون ( البيجديمات ) ، واشتروا ( كرطيسين ) ، وقس على ذلك .

وحاولت أن أقدم حلولاً افتراضية للخروج من هذا الخلط ، أو على الأقل للتقليل منه .

وفي ظني أن المبادرة التي قمنا بها نحن بعض عشاق اللغة – تدل على الغيرة اللغوية ، حيث قررنا أن نقيم جمعية لغوية ، عُقدت أولا في عبلين ، ثم التأمت ضمن اللجنة العليا اللغة العربية ، ويرأسها سليمان جبران وأعضاؤها هم – مع حفظ الألقاب :-

فهد أبو خضرة وخولة السعدي ومحمود أبو فنة وجورج قنازع ونزيه قسيس وجميل غنايم وإلياس عطا الله وفاروق مواسي .

وقد كانت لنا جلسات كثيرة تخللتها نقاشات جادة وأحيانًا حادة . وتمكنا من إصدار كراسين ، فيهما ترجمات لمصطلحات وتعابير تسعف الكاتب في كتابته .

وفي الآونة الأخيرة أخذ الأستاذ موفق خوري – مدير دائرة الثقافة العربية – يدعم مجمع اللغة العربية في البلاد ، وكلفني أنا والأستاذين حنا أبو حنا ونايف خوري ( كانون الثاني 2001 ) بان نسافر إلى القاهرة – إلى معرض الكتاب) ا . وكان لنا في القاهرة لقاء مع د. شوقي ضيف رئيس المجمع الذي حدثناه عن الفكرة ، فوجد أن تحقيق الاعتراف بنا عسير ، بسبب أن هناك مجمعًا فلسطينيًا آخر قد ووفق عليه .

( ومن العجيب والطريف أن هذا الشيخ الهِـمّ كان يقرأ بدون نظارة ) – وكان لجمال مراد سكرتير المجمع فضل في التقليل من عبثية اللقاء ، فأهدانا بعض الإصدارات . وأهديته شخصيًا بعض نتاجي ، ومنه مقالة لغوية لي حول ( الاسم المقصور ) نشرت في مجلة ( جامعة ) – العدد الأول 1997 ، باقة الغربية . وقد عكفنا الأستاذ حنا وأنا على تدبيج رسالة شرحنا فيها ضرورة أن نجد لنا سندًا وعضدًا ، في ظروفنا أو على الأصح في ظروف لغتنا ، ولا أدري إن ظلت رسالتنا في طوايا الملفات والنسيان . ومع ذلك تأسس المجمع وعقد جلساته الأولى للتداول في الدستور .

وكان لي حلم آخر : فقد عهدت لي كلية الشريعة في باقة حيث كنت أرأس فيها قسم اللغة العربية بأن أؤسس ( مركز اللغة العربية ) ، وذلك لتشجيع الأبحاث اللغوية.... والنية معقودة كذلك على الاهتمام بوسائل تدريس اللغة في فروعها المختلفة ، وقد رأست المركز وأصدرت كتابين تحت عنوان " دراسات وأبحاث في اللغة " ( 2004 ، 2005 ) .

وقد تشهد الأيام حلمًا آخر يتحقق – وهو تبني صف متميز من المتفوقين في العربية من طلاب الصفوف العاشرة ( من جميع المدارس الثانوية العربية ) بحيث يدرسون يومًا في الأسبوع في الكلية دروسًا إضافية في اللغة والأدب ، كل ذلك لإعدادهم بأن يكونوا باحثين ومحاضرين في دور المعلمين والجامعات ، ونحن بحاجة ماسة لإكمال ما كان قد بدأه الرعيل الأول ، هذا الرعيل الذي أعطى الكثير ، ولكن الزمن يغير عليه بالشيخوخة – اعترفوا أم لم يعترفوا.

***

كلفتنا وزارة المعارف نحن مجموعة من أساتذة اللغة العربية بأن نعد منهاجًا جديدًا لتدريس قواعد العربية ، وكنت من الذين تحمسوا جدًا لفكرة إرجاء تدريس النحو إلى المرحلة الثانوية وإلى التخلي عن أسلوب " النحو الواضح " لأستاذينا علي الجارم ومصطفى أمين . وقد كتبت مقدمة كتب " الجديد " للمرحلة الثانوية بتكليف من زميليّ د . فهد ابو خضرة و د . إلياس عطا الله ، فقلت /قلنا :

" هذا الكتاب يقدم منهجًا جديدًا لتدريس القواعد ، فيه اجتهاد في ترتيب المواد ودقة في تعريفها . ونحن لا نزعم أننا استحدثنا في المادة بقدر ما نؤكد أننا جددنا في أسلوب التدريس ، وقد شملنا ما رأيناه ضروريًا فيسرنا ، معتمدين الأهم والأعم والأجود والأفيد .

وقد رأينا ان نتناول وظيفة الكلمات في الجملة كالفاعل والمفعول به في الدراسة مرجئين مسائل الإعراب إلى المدرسة الثانوية ، وذلك لأننا أيقنا صعوبة الإعراب لدى الناشئة ، بل إن معظم الكبار لا يبقون منه إلا ذكريات مريرة وجهلاً مطبقًا بالقراءة المثلى .

ومن مظاهر الجدة أننا اعتمدنا النص مفتاحًا للدرس ، وغالبًا ما يكون تراثيًا ، ليفيد الطالب من مضمونه ويجيب عن أسئلة فهم المقروء ، ولا بد منها بادئ ذي بدء .

ولم نغفل لحظة أن غايتنا الأولى والأخيرة أن نضبط كلامنا بالشكل ، فكثرت التمارين الوظيفية ملائمة لمعرفة الطالب ، ومواكبة لمسيرته ، وقد اعتمدنا على أشعار العرب- قديمها وحديثها ."

( انظر مثلا مقدمة : الجديد في قواعد اللغة للصف العاشر )

ولا شك أن للصديق د . محمود أبو فنة يدًا طولى في المناهج الجديدة للغة والأدب ، وهو يدعوني للاشتراك الفعال فيها ، وقد قمنا بشبه ثورة في مناهج الأدب العربي كذلك ، إذ أخذنا ندرّس الألوان الأدبية من قصة ورواية ومسرحية وشعر حديث ومنه الشعر الفلسطيني ( المحلي ) ، كما اخترنا نصوصًا أدبية تمثل اتجاهات أدبية متباينة ، وتمثل عصورًا مختلفة . وعلى إثر هذا المنهاج الذي أقِر في الثمانينـيات أصدرتُ كتابين مساعدين لتحليل النصوص أتيت على ذكرهما في سيرتي الذاتي هذه في حديثي عن تجربتي النقدية ، وفي مواضيع أخرى .

ونشغل هذه الأيام بإعداد منهاج جديد آخر للأدب يلائم القرن الحادي والعشرين بمستجداته المتباينة ، ويتلافى ما نقص من المنهاج الأول . ولا شك أن اللجان المختلفة التي تعهد لنا وزارة المعارف بها من شأنها أن تحرك وتحفز ، ومن يدري فقد نكون بنينا لبنة في صرح اللغة ، أو على الأقل أخلصنا لها ، وحرصنا عليها ما وسعتنا الحيلة .

***

كنت وما زلت أنفر من التنطع وفضفاضية العبارات في دائرة الخواء،فقلت منتصرًا للغتي يوم أن سـيقـت للتمسح على الأعتاب:

- تبا للغة المبتذله

لغتي بيعت في سوق الأوحال

تبا للغة المسييــه

لقحها عبد الشهوات الدجال

كفرًا بالإنشاء وبالأفعال وبالأسماء

كفرًا إن نأسن في هذي الحال

(تنويعات منا فينا، المجموعة الكاملة،المجلد الأول، ص176)

وكنت وما زلت أنفر من هؤلاء من الذين يهاجمون الجديد، لا لسبب إلا أنهم لا يعرفون أو لا يألفون ما استجد، ولقد أوذيت إثر ذلك، واتُّهمت في لغتي ؛فوقف بعض الزملاء متصدين لمنهاج القواعد الجديد، وللكتب التي أعددناها، وكأنهم الذادة عن اللغة المنافحون لرد "الكيد" الذي يراد بها،وقد استمعت إلى دعواهم أو دعــاويهم، فما أبانوا ولا أفصحوا ، بله لاكوا العبارات في أخطاء لغوية فاحشة ... وصبري بالله .

وضقت ذرعًا بأخطاء ولحون يشترطها هذا " اللغوي " أو ذاك ، فيجعل الأمر استبدادًا ، أو على الأقل استئثارًا ، أو على أقل الأقل منظارًا أحاديــًا .

ومن باب التيسير – تحمست لفكرة توحيد شكل كتابة الهمزة وجعلها ( ئـ ) على نبرة في كل موقع . وقد وردت الفكرة أولا لدى بعض أهل المجمع اللغوي في القاهرة وكتب في ذلك الأستاذ وديع خوري ( البيادر – القدس – نيسان 1997، ص 19 ) ، وعرض الأمر بشكل علمي الدكتور فهد أبو خضرة " المنبر " ( العدد الأول سنة 1989) ، ثم كتبت أنا وبموافقة للطرح نصًا تجريبيـًا ( العدد الثاني 1989) فكان أن تجنى بعض الزملاء الغيورين على ذلك ، فوصف صاحب الاقتراح كتابة الهمزة بأنه " ذلك الغبي الذي ظن أن يستطيع أن يسهل الكتابة .." ... ( المواكب 78/1993) ، ويا سبحان الله !

واللغة وعاء الفكر ، وهي بأهلها ، وقد لا يروق البعض إذا غبطت العبرية على مرونتها..... وليس أدل على ذلك من صيغ التصغير فيها أو بناء صيغة لأصحاب المهن ، وخلق كلمات جديدة سرعان ما تشيع على الألسن وفي السطور ، إذ أن لهم مجمعًا لغويًا لا مجامع ، وهم لهم دولة ونظام لا دول وأنظمة .

ولكم عملت جاهدًا على تطويع لغتنا لكل مبتكر ، وأن تكون لغتنا العلمية دقيقة المؤدى ، ولها توصيل من غير حشو أو ترهل ، وأن تكون العربية الميسرة على ألسنة طلابي ، كما دعوت إلى ذلك في دورات الاستكمال التي قدمتها لمدرّسي اللغة العربية . وأعتز كثيرًا بأنني لا أني عن تلبية أية دعوة فيها نصرة للغة ، وذلك بالتطوع في إلقاء المحاضرات على طلاب المدارس الثانوية المختلفة ، وقد كنت من المتحمسين الفعالين في " سنة اللغة العربية " التي تقيمها المدارس بين سنة وأخرى ... ، وحصلت على رسائل تقديرية من هذه المعاهد العلمية ، وعلى ثقة المستفتين بالمسائل اللغوية ، وليس أدل على ذلك من المكالمات الهاتفية التي تصلني تترى عن معنى هذا الاسم للمولود / ة ، أو عن إعراب هذه الكلمة في هذا البيت ، أو في الآية . ثم إني كنت وراء المذياع أجيب ( في مطالع السبعينيات ) عن كل سؤال طلابي من مضمار اللغة والأدب فإذا بي – بعد أن توقف البرنامج – أجيب كل سائل عند معرفتي ، أو أنقب في المصادر حتى أفيد أنا وأفيد الآخرين .

وما أكثر ما تعلمت من معاجم الأخطاء الشائعة للعدناني ومصطفى جواد وزهدي جار الله وإميل يعقوب ! وما أكثر ما أتصفح " إصلاح المنطق " و " أدب الكاتب " و كتب الألفاظ والمعاني .

***

ومن طموحي أن يولي أهل الاقتصاد والاجتماع اهتمامهم برقي اللغة ، فيجعلون وكدهم دعم التخصص والدراسة في خضم اللغة ، حتى يبحثوا ويعملوا بجد لا تطوعًا واحتسابًا فقط . وما أروع العمل الجماعي إذا كان أعضاء المجموعة الدارسون يتحلون برحابة الصدر ورحابة الأفق معًا .

ومن طموحي كذلك أن نكثر من مشروع " سنة اللغة العربية " ، فيكون بين الفينة والفينة وفي كل المواقع ، حتى يفسح المجال لزملاء آخرين كي يتعبدوا في محراب هذه اللغة أو في جوب آ فاقها . وسأسعد حقًا أن أرى أكثر من غواص يبحث عن صدفات اللغة ، ويطلع علينا بالدر المكنون الذي يبهجه ، فيتنافس الطلاب والكتاب في صنوف الآداب ، فالعربية كما يقول عبد الحميد الكاتب " ثقاف ألسنتكم " وها هي في عصر الحاسوب أخذت تصارع بحق وحقيق في سبيل بقائها على الأقراص . فاثبتي يا لغتي !!

ثم : هل حقًا يحبك أبناؤك وذووك ؟