لو أنَّ الفتى حجرُ : عبد الرحيم محمود ثائرًا
لو أنَّ الفتى حجرُ : عبد الرحيم محمود ثائرًا



تقديم

شاعرًا ثائرًا كان عبد الرحيم محمود (1913-1948)،[1] يبحث عن الكلمة، يتقصى التعبير الشعري ويسعى إلى الالتزام بهوية متميزة. لكن الفترة التي عاش في كنفها لم تكن فترة سهلة، فقد زخرت في العالم العربي بالتناقضات والتمزق والثورة والبحث بين هذه المسارب الغامضة عن طريق للخلاص.

فأولاً امتازت هذه الفترة سياسيًا بالهبة الوطنية والقومية واصطراع المفاهيم الحديثة والقديمة عبر تفجر النزاعات في فلسطين، ابتداء بالثورة العربية الكبرى والانتداب البريطاني ومرورًا بثورة 1936 وانتهاء بحرب 1948.

وثانيًا عبّرت هذه الفترة عن تخلخل في النظم الاجتماعية وظهور التيارات الجديدة الداعية إلى التكافؤ الاجتماعي والمساواة ومنح العمال حقوقهم، وغير ذلك من المفاهيم والقيم، التي تسللت إلى العالم العربي في بداية هذا القرن، تأثرًا بالقيم الأوروبية-الغربية ومفاهيم الثورة الشيوعية.

وثالثًا تميزت هذه الفترة باصطراع المفاهيم الأدبية في العالم العربي وخفوت صوت المدرسة النيوكلاسيكية في الشعر وظهور مدارس جديدة، كمدرسة الديوان ومدرسة المهجر وجماعة أبولو، أو تعميمًا، ظهور المدرسة الرومانسية. وقد تفاوت هذا الصراع بين بلد وآخر، فبينما كانت المدرسة الرومانسية في مصر في أوج نشاطها في الثلاثينات، فإن المدرسة النيوكلاسية كانت ما تزال تُحكم سيطرتها في هذه الفترة في العراق، إلى جانب ظهور بعض الأصوات الرومانسية الخافتة.[2] أما في فلسطين فكان عبد الرحيم محمود، إلى جانب شعراء آخرين كإبراهيم طوقان (1905-1941) وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) (1909-1980)، يمثّل النموذج العملي لهذا الصراع بين النيوكلاسيكية والرومانسية في أواخر الثلاثينيات وعلى امتداد الأربعينات من هذا القرن.

لقد طرح كاتب هذه الدراسة في دراسات سابقة، بعض التصورات حول شعر عبد الرحيم محمود في كتاب بين الالتزام والرفض،[3] ومقال تحت عنوان "عبد الرحيم محمود: شاعر يبحث عن هوية".[4] وتأتي هذه الدراسة استكمالاً وبلورة لقضية لم تستوف حقها في الدراستين المذكورتين عبر طرح السؤال التالي: كيف تساوقت رومانسية عبد الرحيم محمود مع ثوريته؟ ولكن قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من الوقوف على الجانب النيوكلاسيكي في شعر عبد الرحيم محمود، ليتسنى لنا تلمّس الصراع الذي كان دائرًا في نفس الشاعر عن كثب، بين النيوكلاسيكية والرومانسية.

النيوكلاسيكية والمضامين الحماسية

إن القضايا التي شغلت عبد الرحيم محمود كانت كثيرة ومتشعبة. لكن القضية الأولى كانت، بلا شك، القضية الوطنية والقومية، إذ أن أكثر من عشرين قصيدة، أي حوالي 40٪ من أشعاره، تناولت هذا الغرض. وثمة علاقة وطيدة بين المضمون الحماسي لهذه القصائد، والذي تمثّل في العودة إلى الماضي والتغني بالأمجاد العربية والإسلامية والافتخار بها، وفي الهجوم على الاستعمار والزعامات التقليدية، وكذلك في مدح الزعماء الوطنيين ورثاء الشهداء - وبين الشكل الكلاسيكي، الذي تبناه عبد الرحيم محمود في هذه الأشعار. ولعل قصيدة "نجم السعود"،[5] التي أنشدها الشاعر في استقبال الأمير سعود بن عبد العزيز حين زار فلسطين عام 1935، تعتبر من أشهر قصائده، وإن كانت من القصائد الأولى التي نظمهاالشاعر في بداية مسيرته الشعرية.[6] يقول الشاعر فيها:

نجمُ السـعود وفي جبينك مطلعُهْ

أنـّى تـوجَّه ركبُ عـزّك يـتبعُهْ

سـهلاً وطئتَ ولـو نزلتَ بِمُمْحِلٍ

يومًا لأمرَعَ مـن نزولـك بلقعُـهْ

يا ذا الأمـيرُ أمــام عينك شاعرٌ

ضُمَّت على الشـكوى المريرة أضلعُهْ

المسـجدُ الأقصى أجـئتَ تـزورهُ

أم جـئتَ من قبل الضيـاع تودّعُهْ

حـَرَمٌ يُـبـاحُ لكـلّ أوْكَعَ آبِقٍ

ولكـلّ أفّـاقٍ شـريدٍ أربُـعُـهْ

وغدًا ومـا أدنـاه لا يبقى سـوى

دمعٍ لنـا يهمي وسـنٍ نـقرعُـهْ

وهذه القصيدة تعجّ بالملامح الكلاسيكية، سواء في بحرها (الكامل)، أو في تعابيرها وصورها (لاحظ البيت الثاني مثلاً)، أو في القافية الموحّدة، أو في التوجّه الخطابي والمباشرة.

لقد تفاعل الشكل الكلاسيكي، الذي التزمه عبد الرحيم محمود، مع الشعر الوطني، الذي اعتبر ظاهريًا غرضًا جديدًا من أغراض الشعر العربي الحديث.[7] وكان هذا التفاعل قويًا وفاعلاً، إذ له ما يبرره من الأسباب، نشير هنا إلى بعضها:

1- الشعر الوطني هو شعر منبري للإلقاء، والصور القديمة تتلاءم وظروف الخطاب الشعري، الذي يتطلّب التفاعل السريع لإثارة الهمم وإلهاب المشاعر. وتؤدي البحور الكلاسيكية المعهودة دورًا رئيسًا في هذا التفاعل، وذلك لتقبّل القارئ/المستمع لها واستمتاعه بها وتعوّد الأذن العربية عليها.

2- إن الأجواء، التي استمدها عبد الرحيم محمود من الشعراء الكلاسيكيين، وخاصة من المتنبي، الذي تميّز شعره بالفروسية والحماسة، تتضافر بقوة مع الروح الوطنية، التي تخيم على هذه الأشعار. إن قصيدة "نجم السعود" الآنفة الذكر متأثرة تأثرًا واضحًا بقصيدة المتنبي في رثاء "أبي شجاع فاتك الرومي"، ومطلعها: [8]

الحزن يُقلق والتجمّلُ يردعُ

والدمع بينهما عصيٌّ طيِّعُ

وهذا التأثر يبدو في الوزن والقافية والتعابير والألفاظ. كما أن الكلمات، التي ترد في ضرب الأبيات كقوافٍ لدى عبد الرحيم محمود، هي نفس الكلمات الواردة في قوافي قصيدة المتنبي. أما تشبيه الممدوح بالنجم: "نجم السعود وفي جبينك مطلعه" فقريب إلى تشبيه المرثي لدى المتنبي: "فقدت بفقدك نيّرًا لا يطلع". ويخاطب شاعرنا الممدوح وقد اخضرّت الأرض لقدومه: "أمرع من نزولك بلقعه"، وبموت مرثي المتنبي فإن "كل دار بلقع". ويستعمل عبد الرحيم ألفاظًا نادرة حين يقول: "حرم يباح لكل أوكع آبق" متأثرًا بقول المتنبي: "ويعيش حاسده الخصيّ الأوكع".[9]

3- إن استيحاء الصور القرآنية والأجواء الدينية يلتحم مع المضمون الوطني والقومي. وهذا التكنيك يندرج تحت الأثر الكلاسيكي الذي وظّفه عبد الرحيم محمود في شعره بصورة بارزة. يقول مثلاً في قصيدة "وعد بلفور":[10]

وإذا عِتاق العُرب تُوري في الدجى

قَدْحـًا وتصهل تحت كل غَضَنْفَرِ

رجحتْ موازينُ الحليف ومَن نكن

معَه يُرجَّح بالعظـيم الأكـثـرِ

فالبيت الأول مستوحى من الآيتين القرآنيتين "والعاديات ضبحًا فالموريات قدحًا"،[11] بينما البيت الثاني يحمل أصداء الآية القرآنية "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون".[12]

4- قد يكون من باب التجاوز أو التعميم إذا لخصنا الأغراض المضمونية لدى عبد الرحيم محمود في الشعر الوطني في أربعة أغراض كلاسيكية: مدح، رثاء، هجاء وفخر. فهي مدح ورثاء للزعماء الوطنيين، وهجاء للاستعمار والزعامات التقليدية التي جرّت الويلات على المجتمع الفلسطيني، ثم الفخر بالعرب وقوتهم وشجاعتهم وتضحيتهم في سبيل الوطن والأرض.[13]

النيوكلاسيكية والقضايا الاجتماعية

القضية الثانية التي شغلت عبد الرحيم محمود هي القضية الاجتماعية. ويبدو أن فهم الشاعر لقضايا العمال، مثلاً، كان يحمل بعدًا وطنيًا بارزًا، فالمضمون الذي تحمله القصائد الاجتماعية يقترب كثيرًا من مضمون القصائد الوطنية. فكان نداؤه الموجّه إلى العمال والفلاحين، لتحريضهم على الثورة وتبني القوة لانتزاع حقوقهم وحل مشاكلهم والبقاء في أرضهم، لا يختلف عن تمجيده للبطولة والفخر بقوة الشعب الذي يرفض الاستعمار، كما تجلى ذلك من خلال قصائده الوطنية. ولذلك نجده يقول في قصيدته "يا عامل":[14]

إطــرِقْ بمطرقك الرؤوسَ
واحصُدْ بمنجلـك الرقابَ
واحكُمْ بأرضك في بـلادكَ
أنـت الذي زرع الحيـاةَ
         

إذا تـمادت فـي عنـادِكْ
إذا حرمْنَك مـن مـرادِكْ
لا تُـغَـرَّبْ عـن بلادِكْ
فمَن شريكُك في حصـادِكْ
     

يا عامل
     
                         

ونلاحظ في قصيدة "يا عامل" بعضًا من الخصائص الكلاسيكية التي استعملها الشاعر في قصائده الوطنية، كالخطابية والمباشرة والضجة اللفظية. ويتلاءم ذلك مع الهدف الذي سعى إليه الشاعر ليجعل من قصائده الاجتماعية خطبًا منبرية تحرض على الثورة وتحطيم الأغلال.

الرومانسية كتعبير عن الشكوى

إن قصيدة "يا عامل"، التي وقفنا عندها أعلاه، لا تمثّل الاتجاه الوحيد في القصائد الاجتماعية لدى عبد الرحيم محمود، بل ثمة اتجاه آخر، وهو ما يمكن تسميته بالاتجاه الشاكي، حيث تتحول الثورة الصاخبة إلى أنين وشكوى، فيصطبغ شعره بيأس خاص ينفّس عنه من خلال الدعوة إلى الخلاص والعزلة ورفض المجتمع الذي يُعلي من شأن الظالمين ويحترم الموازين غير العادلة. وسأفرد السطور الباقية من المقال لاكتناه هذه الظاهرة في شعره.

إن هذا النوع من القصائد - الاتجاه الشاكي- تقل فيه الألفاظ والتعابير الكلاسيكية وتخفت الضجة اللفظية غير الوظيفية. كما أن الأوزان المستعملة هي من البحور القصيرة على الأغلب. ومن هذه القصائد نذكر "في حالة غضب"، "جفت على شفتي الأماني"، "حجر في كثبان الرمل"، "لزوميات"، "رثاء حمّال"، "الخُذلان" وغيرها.[15]

نتوقف عند قصيدة "حجر في كثبان الرمل"،[16] وكان الشاعر قد نظمها عام 1941 بينما كان عائدًا من العراق إلى فلسطين. يقول مخاطبًا حجرًا في الصحراء:

فيمَ انفرادُكَ لا أنـيــسَ
في رِبْقة الـوَهَـج الحَرورِ
وصـبرتَ لِلهُوجِ اللـوافحِ
أرَضـيـتَ بالصحراء عن
وطلبـتَ وَحـدةَ راهـبٍ
 
   

***
   

تراه في القـفر المخـيـفِ
وَغُلّ عــاصفةٍ عَصـوفِ
في الضحى صبرَ الأَنوفِ
ظــلِّ المُنَمَّـقَـةِ الغريفِ
فيهـا وعُـزلـةَ فيلسوفِ
 

هل كنتَ يومًا في القصـورِ
وأبَيـْتَ أن تُـبنى عليكَ
فنجـوتَ للصحراءِ مــن
تعلو علـى نـغـم الأنينِ
أم كنتَ شاهـدَ مصـرعِ
فهربتَ - إنـك في الجمادِ
 
         

وعُـفتَ ضافيةَ الـقصورِ
صُـروحُ بـهتـانٍ وزورِ
صخَبِ المزاهـر والزُّمـورِ
ونَـشْـجة القلب الكسيرِ
الأخلاقِ في البيـت الكبيرِ
إذَنْ لــذو أسمى شـعورِ
 

لقد أوردنا هنا مقطعين من أربعة مقاطع تتكون منها القصيدة للتعرف على وجوه التجديد مقارنة بالقصيدة النيوكلاسية. وإذا ما حاولنا أن نلخص القصيدة في خطوط عريضة، فالشاعر يسأل الحجر إن كان قد فضّل العيش في الصحراء ليقتعد فيها وحيدًا كالراهب أو كالفيلسوف بعد أن هجر المدينة؟ ويستمر الشاعر يسأل الحجر إن كان يعيش في قصر فكرهه ورفض أن تبنى عليه صروح البهتان والزور، فهرب إلى الصحراء من الصخب والغناء إلى العزلة والأنين؟ ويستمر مستفسرًا ما إذا كان قد شهد مصرع الأخلاق في هذه الدنيا، وهل وقف في وجه ظالم مدافعًا عن مظلوم فقضى على الظالم وجثم على عظامه؟ هل كان سدًا أمام هذا الظالم فمنع تقدمه؟ وهل يقف الآن في الصحراء ليهتدي به الهائمون؟

عبد الرحيم محمود في هذه القصيدة يناجي الحجر، يشخّصه ويحادثه كصديق، بينما هو في حزن شديد يكاد يعانق اليأس. ويجدر التنويه إلى الفرق في التوجه الذي يحمل سمة الاقتراب من الحجر والشعور بشعوره والهمس في صوت خافت، وبين الخطابية التي تميزت بها القصائد الوطنية، أو القصائد الاجتماعية التي تحمل الطابع الكلاسيكي، كما أشرنا أعلاه.[17] إن الهمس الخافت في قصيدة "حجر في كثبان الرمل" وعملية التشخيص هما سمتان ملازمتان للشعر الرومانسي، وهذا يعكس ميل الشاعر الرومانسي إلى الانشغال بالطبيعة ومناجاتها واعتزال الناس وحياة المدينة. وهذا لا يعني أن الشعر الكلاسيكي والنيوكلاسيكي افتقد هاتين السمتين، لكن بروزهما في الشعر الرومانسي لافت للنظر.[18]

لم يكتف عبد الرحيم محمود بتحريك الحجر وشحنه بالعواطف والأحاسيس، إذ يفاجئنا في نهاية القصيدة حين يتحول من الحجر إلى نفسه، فإذا به يقارن بينه وبين الحجر:

أنت الـوحـيد هنـا ومالي لا أقـول أنـا الـوحـيـدُ

هـيمـانُ لا أدري الغـداةَ طـريـقَ مـنجـاتي طريـدُ

بل يتبين له أن وضعه أشد وطأة وتأزمًا من وضع الحجر الذي اقتعد في الصحراء، بينما هو لا يقوى على القعود:

وإذا قعدتُ كـما قعدتَ أضرَّ بالروح الـقعــودُ

فالروح التي يحملها الشاعر تأبى عليه أن يقعد:

والروح يا بعضَ الجمـادِ عنـىً ومَحملُهـا يؤودُ

وهو حائر إن كان الطريق الذي يسير فيه هو الطريق السديد أم لا، فيتوجه إلى الحجر سائلاً:

قل لي: أذلـك مسـلـكٌ جَـدَدٌ ومُـطَّـرَقٌ سديدُ

وهكذا تنتهي القصيدة فإذا به متماثل مع الحجر، وإن كان يغبطه على وحدته واعتزاله الناس والحياة.

وتظهر رومانسية الشاعر من خلال المعجم الشعري الرومانسي (poetic diction)، الذي بدأ يتكون لدى الشاعر وإن لم تفارقه اللغة الكلاسيكية تمامًا، فتبرز لديه التعابير المزدوجة وصور الطبيعة والإفراط في وصف العواطف، ليسبغ عليها الشاعر صفات حسية، مثل "القفر المخيف"، "ربقة الوهج الحرور"، "عاصفة عصوف"، "ظل المنمقة الغريف"، "نغم الأنين"، "نشجة القلب الكسير". يضاف إلى ذلك ورود ألفاظ أكثر الشعراء الرومانسيون من استعمالها، مثل "انفراد"، "عزلة"، "وحدة"، "هيمان"، "الروح" وغيرها.[19]

أما الوزن الذي استعمله الشاعر فهو مجزوء الكامل، وهو من البحور القصيرة التي قلّ استعمالها في الشعر الكلاسيكي، بينما ازداد استعماله في الشعر الحديث.[20] أما القافية فمتغيرة، بحيث جاءت القصيدة في أربعة مقاطع على نظام الشعر المقطعي (strophic poetry)، في كل مقطع ستة أبيات توحّدها قافية واحدة وموضوع واحد، عدا المقطع الأول الافتتاحي المكوّن من خمسة أبيات. وتصب هذه المقاطع بعضها في بعض. في المقطع الأول الافتتاحي يسأل الشاعر الحجر عن سبب انفراده ويعرض المشكلة. أما في المقطع الثاني فيحدد الشاعر الأسئلة ليكشف لنا هروب الحجر من حياة المدينة. وفي المقطع الثالث[21] يتساءل الشاعر عن رفض الحجر للظلم وتضحيته من أجل الضعفاء والتائهين. ثم تكتمل الحلقة بالمقطع الختامي، فإذا هو ذروة القصيدة، حيث ينتقل الشاعر للمقارنة بينه وبين الحجر، فيراه أكثر سعادة منه.

إن رومانسية الشاعر في هذه القصيدة، وفي القصائد الأخرى التي أشرنا إليها أعلاه،[22] يمكن أن نفسّرها بعوامل خارج النص وعوامل أخرى نصية. ومن هذه العوامل نذكر:

1- ابتعاد الشاعر عن أرض الوطن بين السنوات 1939-1941. وقد عبّر عبد الرحيم محمود عبر هذه القصائد عن حنينه وأشواقه لأرض الوطن، فنظم في هذه الفترة عدة قصائد تنتمي للاتجاه الشاكي، منها "في حالة غضب"، "حجر في كثبان الرمل"، و"الخذلان". ولعل الشاعر، كذلك، خلال وجوده في العراق قد تأثر بالمدرسة الرومانسية التي كانت في بداياتها في هذه السنوات.

2- كما أشرنا في المقدمة، يلتحم هذا الأسلوب مع الفترة الحرجة التي كان يمر بها العالم العربي سياسيًا واجتماعيًا، أعني فترة الحرب العالمية الثانية. لقد تميزت هذه المرحلة بتحطم القيم الاجتماعية والسياسية وتهاوي الكثير من المفاهيم التقليدية نتيجة لخروج الأمة العربية من الحرب منهكة تجترّ المرارة وتلعق الجراح.

3- أما من الناحية الأدبية فالاتجاه الرومانسي الشاكي تلاءم مع الثورة على التقليد والتمرد على النيوكلاسيكية. وهذه الثورة تكاتفت مع نشاطه السياسي واتصاله ببعض الزعامات السياسية والنوادي اليسارية في كل من فلسطين والعراق.

هذه الأسباب معًا، السياسية والاجتماعية والأدبية، يمكنها أن تفسر استجابة الشكل للمضمون في شعر عبد الرحيم محمود ليبدو لنا شاعرًا يبحث عن هويته الأدبية والسياسية والاجتماعية بينما هو يبحث عن الكلمة. وقد وجد في الاتجاه الرومانسي، بلغته ومضمونه، ما يخدم غرضه الثوري الذي شكا من خلاله انعدام القيم وتمزق المفاهيم وتناقض الحياة، فكان عبد الرحيم محمود ثائرًا رومانسيًا، أو رومانسيًا ثائرًا.

1 الشاعر عبد الرحيم محمود ولد عام 1913 في قرية عنبتا الواقعة على الطريق بين طولكرم ونابلس، تعلم في كلية النجاح في نابلس، وعمل فيها معلمًا حتى عام 1937، ثم انضم إلى صفوف الثورة. بين السنوات 1939-1941 هرب إلى العراق، وبين 41-1947 عمل معلمًا في النجاح ثانية. ثم التحق ضابطًا في جيش الإنقاذ بين 47-1948، وفي 13/7/1948 استشهد في معركة الشجرة قرب قرية طرعان في الجليل، ودفن في الناصرة. راجع: أدهم الجندي، أعلام الأدب والفن، ج1، دمشق، 1954، ص 380؛ ديوان عبد الرحيم محمود، اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، بيروت، 1974، مقدمة الديوان بقلم كامل السوافيري؛ روحي على راحتي، ديوان عبد الرحيم محمود، حققه وقدم له حنا أبو حنا، مركز إحياء التراث، الطيبة، 1985، ص 25-45؛ الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، مكتبة بلدية نابلس، نابلس، 1975؛ إبراهيم عبد الستار، شعراء فلسطين في ثورتها القومية، نادي الإخاء العربي، حيفا، د.ت.، ص 58-63؛ نافع عبد الله، الشاعر عبد الرحيم محمود، مكتبة دبي للتوزيع، دبي، 1979؛ يعقوب العودات، من أعلام الأدب والفكر في فلسطين، دار الإسراء، القدس، 1992، ص 571-574؛ محمود غنايم، بين الالتزام والرفض، دراسة في شعر عبد الرحيم محمود، منشورات أبو عرفة، القدس، 1980، ص 20-26؛ محمود غنايم، "عبد الرحيم محمود: شاعر يبحث عن هوية"، الكرمل (جامعة حيفا)، عدد 8، 1987، ص 124؛ عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، "الأدب في فلسطين"، محاضرات الموسم الثقافي، ج5، وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية، دمشق، 61-1962، ص 209.

2 انظر: سليمان جبران، المبنى واللغة في شعر عبد الوهاب البياتي، دار الأسوار، عكا، 1989، ص 9-26.

3 انظر أعلاه الهامش رقم 1.

4 انظر أعلاه الهامش رقم 1.

5 روحي على راحتي، ديوان عبد الرحيم محمود، ص 77-83.

6 انظر: عبد الرحمن ياغي، حياة الأدب الفلسطيني الحديث، من النهضة إلى النكبة، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1968، ص 273. انظر كذلك تعليق متتياهو بيلد على هذه القصيدة في مقاله الهام عن الأدب الفلسطيني قبل عام 1948: Mattityahu Peled, Aspects of Modern Arabic Literature, Peeter, Louvain-Paris, 1988, "Annals of Doom, Palestinian Literature – 1917-1948", pp. 200-201.

7 انظر أغراض الشعر النيوكلاسيكي: S. Somekh, “The Neo-Classical Arab Poets”, in M.M. Badawi (ed.), Modern Arabic Literature, Cambridge, 1992, pp. 50-62.

8 ديوان المتنبي، دار إحياء التراث، بيروت، د.ت.، ص 163-165.

9 انظر تفصيل هذا التأثر في: غنايم، بين الالتزام والرفض، ص 53-70.

10 روحي على راحتي، م.س.، ص 86-89.

11 القرآن، سورة العاديات، الآيتان رقم 1، 2.

12 القرآن، سورة الأعراف، آية رقم 8.

13 غنايم، بين الالتزام والرفض، ص 53-70؛ غنايم، الكرمل، ص 131-141.

14 روحي على راحتي، م.س.، ص 225-228.

15 انظر: ن.م.، على التوالي، ص 155، ص 175، ص 183، ص 203، ص 217، ص 247.

16 ن.م.، ص 183-188.

17 حول الأدب المهموس، انظر: محمد مندور، في الميزان الجديد، دار نهضة مصر، القاهرة، 1973، ص 69-96.

18 تجدر الإشارة هنا إلى أحد الشعراء المخضرمين تميم بن مُقبِل (ت. حوالي 646م) الذي أورد معنى مشابهًا حين قال: ما أطيبَ العيش لو أن الفتى حجرُ / تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ. انظر: أدونيس، ديوان الشعر العربي، الكتاب الأول، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، 1964، ص 202. انظر كذلك تعليق أدونيس في مقدمة الكتاب، ص 15-17. من هنا كذلك جاء عنوان المقال. ويبدو أن عبد الرحيم محمود قد استفاد في هذا المعنى حين حاول أن يتماثل مع الحجر، كما يظهر من التصدير الذي أورده الشاعر في بداية القصيدة، إذ يقول: "بين تدمر والعراق مَهْمَهٌ قدّر للشاعر أن يقطعه طريدًا، ووجد نفسه غريبًا غربة حجر هناك، فأسند رأسه وراح يفكر فيه وهو يؤكد أن الحجر دلّه على الطريق" (روحي على راحتي، ديوان عبد الرحيم محمود، ص 183). ولكن هذا التماثل في الغربة لم يجعل من الشاعر قعيدًا، إذ يصل في نهاية القصيدة إلى الفرق بينه وبين الحجر، فهو يحمل روحًا في جسده، وهذه الروح تثقله وتمنعه من القعود.

وتجدر الإشارة إلى أن محمود درويش أدار حوارًا مكشوفًا وتناصًا واضحًا عبر اقتباسه من قصيدة تميم بن مقبل في قصيدته "موسيقى عربية"، إذ يتمنى لو أنه بلا إحساس حتى لا يهتز لكل صغيرة وكبيرة، سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العام:

"ليت الفتى حجرُ..."

يا ليتني حجرُ...

أكلما شردتْ عينانِ

شرّدني هذا السحاب سحابًا

كلما خمشتْ عصفورةٌ أفقًا

فتّشتُ عن وثنِِ؟

[...]

ليت الفتى حجرُ

يا ليتني حجرُ...

(محمود درويش، الديوان، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، 1994، مجموعة "حصار لمدائح البحر"، 1984، ص 81-82). أشكر الدكتور سليمان جبران الذي لفت نظري لهذه القصيدة، وأفدت من ملاحظاته النبيهة حول هذه القضية برمتها.

19 حول سمات الشعر الرومانسي، انظر: محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، دار الفكر ومكتبة الخانجي، القاهرة، 1971، مقاله "أيها الرومانسيون: كفاكم اجترارًا"، ص 410-426.

20 حول شيوع الأوزان في الشعر، انظر: إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1965، ص 189-208.

21 لم نقتبس هذا المقطع في المقال، انظر القصيدة في: روحي على راحتي، ديوان عبد الرحيم محمود، ص 186-187.

22 تحليل أمثلة أخرى، انظر: غنايم، الكرمل، ص 142-148.