لغتنا العربية .. لا هي عاجزة ولا معجزة!
لغتنا العربية .. لا هي عاجزة ولا معجزة!



لغتنا العربية .. لا هي عاجزة ولا معجزة!

 

أبدأ بالسؤال: هل العربية المعاصرة في أزمة؟

طبعا هناك فريق من الأدباء والكتاب يرى أن العربية بألف خير. هل يمكن أن تكون لغتنا في أزمة – "هذه اللغة المعجزة – أصل الجمال التعبيري"؟ بل هناك من المتعصبين من يعتبر اللغة العربية أصلا للغات الأرض كلها، منها نشأت كل اللغات وعنها تفرعت، ويكفي الوقوع على كلمة بالعربية وأخرى تشبهها في لغة أجنبية ليصيح هؤلاء: أترون؟ العربية أصل لكل اللغات!

هذه النظرة المتعصبة لا تنم إلا على جهل أصحابها، ولا تؤدي إلا إلى الإساءة إلى اللغة ذاتها. أن نحب لغتنا ونحرص عليها أمر طبيعي ومشروع، فهي منا وإلينا، مثل ابنائنا تماما. أما أن نغالي في هذا الحب، فنسبغ عليها الإعجاز، ونرفعها إلى مقام القداسة، فأمر ينافي المنطق والتاريخ. إذا رفعناها إلى درجة الإعجاز والقداسة فمعنى ذلك أنها قيمة ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل، لا يحق لنا تطويرها أو التصرف بها، وهذا لا يؤدي إلا إلى جمودها ثم موتها!

من ناحية أخرى هناك نظرة "عصرية" متطرفة أيضا. هذه النظرة المتطرفة تعتبر اللغة العربية لغة قاصرة عاجزة، لا تستطيع التطور واللحاق باللغات العصرية الراقية. العربية في نظر هؤلاء "لا ترضي رجلا مثقفا في العصر الحاضر، إذ هي لا تخدم الأمّة ولا ترقّيها، لأنها تعجز عن نقل نحو مئة علم من العلوم". يقارن هؤلاء اللغة العربية باللغات الأوروبية المعاصرة التي تتسع للحضارة الحديثة، بكل علومها ومعارفها وآدابها، ويخلصون إلى أن اللغة العربية عاجزة.

ليست العربية معجزة، ولكنها ليست عاجزة أيضا. العربية، كغيرها من اللغات، ترتقي وتنحطّ،، تتطوّر وتتأخّر، تبعا لارتقاء الناطقين بها وانحطاطهم. العربية مرآة للعرب أصحابها، وكما يحاول العرب في العصر الحديث اللحاق بقطار الحضارة وتخطّي مئات السنين من الجهل والتخلّف، كذلك تحاول العربية تجاوز عصور الجمود لتدرك اللغات العصرية الراقية. المجتمع العربي اليوم في أزمة، ولكنها ليست أزمة قاتلة لا مخرج منها، والعربية أيضا في أزمة لكنها أزمة يمكن، بل يجب تجاوزها. ربما كان تطوّرنا، وبالتالي تطوّر لغتنا، بطيئا صعبا، لكن لا طريق أمامنا سوى هذا الطريق.

السؤال الثاني: هل لغتنا العربية صعبة؟

لا يمكن لعاقل أن ينكر ما في العربية من صعوبة، وإلا فما سر الاخطاء المتفشّية على ألسنة المذيعين والخطباء، وعلى أقلام الصحفيين، بل والكتاب أحيانا؟ هل نتّهم جميع هؤلاء بالجهل والتقصير ونبرئ ساحة العربية؟ العربية لغة صعبة، ولا أقول أصعب اللغات، ومنشأ صعوبتها الأساسي أنها ما زالت في معظم أحكامها المعجمية والمبنوية تخضع للقواعد الكلاسيكية التي وضعها رجال اللغة قبل مئات السنين. من نواحي الصعوبة، مثلا، الإعراب: فحركة الاخر المتغيرة تبعا لموقع الكلمة في الجملة عبء، وأيّ عبء. لا أقول إن الحديث بالفصحى المعربة إعجاز وعبقرية، لكننا لا نستطيع إنكار ما فيه من صعوبة. ثم هناك رسم الحروف واختلافها تبعا لموقع الحرف من الكلمة، وهناك كتابة الهمزة، الخطأ هنا يتجلى طبعا في الكتابة لا في الحديث. لا يزعمنّ أحد أن كتابة الهمزة سهلة، لا تعقيد فيها ولا إشكال، فجميع المعلمين يحسّون هذه "السهولة" على جلودهم، ثم انظروا في الصحف والكتب لتعرفوا مدى هذه "السهولة". هناك أيضاً السماع في العربية: جموع التكسير، أبواب الثلاثي المجرد ومصادره، المذكر والمؤنث ... والسماع نحفظه من المعاجم وكتب اللغة ولا تحكمه القواعد.

هذه الصعوبة في معجم العربية ونحوها دعت كثيرين من الأدباء والمفكرين المعاصرين إلى التفتيش عن الوسائل لإصلاح اللغة وتيسيرها: اقترح بعضهم إلغاء الإعراب، وقراءة الكلام كله ساكن الأواخر. هؤلاء طبعا يستحقون في نظر الطلاب جائزة نوبل. واقترح آخرون كتابة العربية بأحرف لاتينية، وطه حسين اقترح على مجمع اللغة العربية إصلاح الخط العربي بحيث يتخذ كل حرف شكلا واحدا لايتغير، وعليه لا يتصل الحرف بما قبله او بعده من الحروف، بل إن بعضهم، وهذا كثير، اقترح الكتابة بالعامية وبأحرف لاتينية ايضاً!

لا يمكن اتهام جميع دعاة الإصلاح هؤلاء بالشعوبية، ولا يمكن الزعم بأنهم لا يعرفون العربية أو لا يكنون لها الحب والتقدير. هذه المقترحات لإصلاح اللغة، ولم نذكرها كلها طبعاً، هي اعتراف صريح بصعوبة اللغة وبضرورة إصلاحها لتسهل على الناطقين بها من جهة، وليسهل عليها استيعاب الحضارة الجديدة من جهة أخرى.

جميع دعوات الاصلاح هذه سقطت، وأشك في نجاحها يوما، حتى ما يمس منها الشكل لا الجوهر. سقطت هذه الدعوات لأسباب خارجة عن اللغة ذاتها، ولكنها أسباب هامّة لا يمكن تجاهلها أو التغلب عليها. العامل الاول في سقوط هذه الدعوات هو العامل الديني: فالعربية هي لغة القرآن الكريم – "قرآنا عربيا غير ذي عوج" – والقرآن والاسلام حفظا هذه اللغة في القرون المظلمة من الضياغ والاندثار، لهذا يصعب على العربي عامّة ، والعربي المسلم خاصة، أن يرضى حتى بالإصلاحات الشكلية في العربية، ناهيك عن الإصلاحات الثورية. ثم هناك العامل القومي: فالعربية تعتبر، بحق، من أهم الروابط بين الشعروب العربية، إن لم تكن أهمها. كيف يتفاهم الجزائري والفلسطيني والعراقي لولا قيام الفصحى عاملا مشتركا لهم جميعاً؟ إذا كان العصر الحديث عصر القوميات، بما فيها القومية العربية، فإن اللغة الواحدة، من أهم مقومات هذه القومية. لذلك لم تكن جهود رواد القومية العربية في إحياء التراث العربي واللغة العربية إلا إدراكا واعيا لقيمة العربية وفاعليتها في المجال القومي. ثم هناك أخيراً عامل ثالث هو أننا، لا يمكن إنكار ذلك، محافظون يصعب علينا التغيير في مجالات كثيرة، لا في اللغة فحسب. لهذه الأسباب سقطت الدعوات الإصلاحية في اللغة جميعها، المتطرفة منها والمعتدلة، ما يمس الجوهر وما يتناول الشكل أيضاً. سقطت الدعوة إلى العامية، كما سقطت الدعوة إلى إلغاء الإعراب، والدعوة إلى تغيير رسم الحرف، ولم تنجح في معظم البلاد العربية حتى الدعوة إلى الكتابة بالأرقام العربية !

دعوات الإصلاح جميعها سقطت بسبب العوامل الخارجية المذكورة. هذه العوامل "حمت" الفصحى من كل تغيير أو تطوير جذري، وهذه العوامل ذاتها هي الأساس الأول لنشوء الازدواجية الحادة في لغتنا العربية: لغة نعيشها في البيت والشارع، وأخرى نتعامل بها في الصحيفة والكتاب. لو تطورت العربية تطورا طبيعيا، دونما تأثير للعوامل الخارجية المذكورة، لكانت اليوم لغات مختلفة، كل بلد عربي ولغته الخاصة به، كما حدث للاتينية . في مالطة مثلا تحولت اللهجة المحلية، وهي لهجة من أصل عربي ، في غياب العوامل الخارجية المذكورة، إلى لغة مستقلة وبأحرف لاتينية.

دعوات الإصلاح جميعها سقطت، إلا أن العربية لم تسقط، ولا يمكن أن تسقط. حتى مشكلة العامية والفصحى التي شغلت المفكرين والأدباء مدة طويلة استطاعت اللغة، بشكل أو بآخر، أن تعايشها وتتخطاها. لم تلغ الفصحى ولم تلغ العامية، إلا أن العامية أخذت تقترب من الفصحى، بسبب وسائل الاتصال وانتشار التعليم والثقافة، كما أن الفصحى أخذت "تنزل" شيئا فشيئا إلى العامية، تتأثر بها وتستقي منها معجميا ومبنويا. هناك تعايش في أيامنا هذه بين الفصحى والعامية، وإن كان لا يخلو من مشاكل. ثم إن العامية تشكل هذه الايام نظاما لغويا هاما لا غنى عنه لشاعر او أديب، والفصحى ظلت، إلى حد بعيد، الأداة الرسمية للشاعر والاديب في معظم ما يُكتب.

السؤال الأخير: هل تستطيع العربية، في نطاق قدراتها والقيود المذكورة أعلاه، أن تتطور وتستوعب الحضارة المعاصرة؟

الجواب إيجابي طبعاً. العربية قادرة على استيعاب الحضارة المعاصرة، لكن هناك عوامل معوقة، تقوم فينا نحن اساسا لا في اللغة، يجب تذليلها وتخطيها.

فالعربية من اقدر اللغات على الاشتقاق: هناك ثلاثة عشر وزنا للثلاثي ومزيداته (المجهول في العربية لا يعد وزنا كما في اللغة العبرية)، وهناك أربعة وأربعون وزنا لمصدر الثلاثي المجرد وحده! ثم هناك الصياغة الثانوية التي عرفتها العربية حتى في العصور الوسطى (تقوى، تجارة، وفي اللغة المعاصرة: تمذهب، تمركز، تقييم). وهناك المصدر الصناعي عكاز كل المترجمين، ودليل الحائرين (ماهية، هوية، انانية، فئوية، تعددية ...). بهذه اللغة وبهذه الوسائل المتاحة فيها استطاع الأوائل ترجمة واستيعاب الحضارات الإنسانية الراقية كلها، إبّان العصور الوسطى، واستحدثوا بذلك مئات بل الاف الألفاظ الجديدة، سواء كانت عربية الأصل أو أجنبية. نحن اليوم قادرون على فعل ما فعله الاوّلون، إلا أن هناك معوقات كثيرة بجب التغلب عليها ، لتمكين اللغة من مواجهة العصر وحضارة العصر.

العائق الأول هو انعدام الثقة بالنفس والشعور بالنقص، وهذا يولد فينا التعصب والمحافظة والتهيب من التجديد. آباؤنا في العصر العباسي كانوا أقوياء، واثقين بقدراتهم، فلم يترددوا في اقتباس العلوم والمعارف الأجنبية، وابتكار الألفاظ والمصطلحات تبعا لهذه المفاهيم الجديدة، سواء ما كان منها أجنبيا، أو عربيا حمّلوه الدلالات الجديدة. أما نحن اليوم فتعلو أصواتنا بالشكوى كلما جدد أديب او ابتكر شاعر. كأنما نحن عبيد للغة لا يحق لنا تغيير فيها ولا إضافة اليها. كأنما كل فكرة جديدة هي "غزو ثقافي" وكل مصطلح جديد هو هدم وتجنّ على "لغة الضاد".

العائق الثاني هو الفوضى، وخاصة في الترجمة والتعريب. في دمشق مجمع علمي للغة العربية، وفي القاهرة مجمع، وفي بغداد مجمع أيضاً، بل إن دولا عربية كثيرة، كما نسمع، تقيم مجامع أخرى جديدة، ليكون الاستقلال تاما غير منقوص! لا بأس في إقامة المجامع العلمية المحلية للغة العربية، لكن بشرط إقامة مجمع واحد موحد، تابع للجامعة العربية مثلا، إليه ترفع كل المقترحات، وفيه تتخذ القرارات ، ومنه تعمم إلى كل وسائل الاتصال العربية، من فضائيات وتلفزيونات وإذاعات وصحف، وإلى كل المؤسسات التعليمية والثقافية.

ثم إن عملية الترجمة والتعريب واستحداث المصطلحات في المجمع العلمي يجب أن تكون سريعة لتكون ناجعة أيضا. لا يمكن أن يخرج علينا المجمع بترجمة للتلفزيون (مرناة) بعد أن تعرفنا على التفزيون في كل بيت باسمه الأجنبي. لن يكتب لنا النجاح اذا ترجمنا الترانزستور بعد أن عرفه الرعاة في الجبال باسمه الغربي. ثم ما المانع من قبول الأسماء الغربية أيضاً لمسميات غربية استوردناها جاهزة من الغرب؟ ألا تحفل اللغة العربية، ولغة القرآن الكريم أيضا، بمئات والاف الألفاظ من أصل غير عربي؟

بالإضافة إلى جهود المجمع العلمي السريعة الناجعة، يجب أن تضاف الجهود الفردية للجنود المجهولين في حقلي الترجمة والصحافة خاصة. كل ترجمة مقبولة أو استحداث معقول يجب الاعتراف بهما ونشرهما وتعميمهما. لقد ساهمت جهود الأفراد في عصرنا هذا، من كتاب ومترجمين وصحفيين، في إثراء اللغة العربية، أكثر مما ساهمت المجامع اللغوية مجتمعة. انظروا كيف ترجم أحد فارس الشدياق "السوشاليزم" إلى "الاشتراكية" – ترجمة لا أدق ولا أجمل. كثيرون اليوم لا يعرفون ما "السوسياليزم"، ولكن الجميع يعرفون ويفهمون "الاشتراكية" – هذا مثال للترجمة الموفقة يضم كل السمات التي نريدها.

عائق أخير في تقدم اللغة وتطورها هم جماعة المحافظين والرجعيين: يقفون في وجه كل تجديد ويحاربون كل تطور، كأنهم وحدهم القيمون على اللغة الغيورون عليها. هؤلاء "الغيورون" تجدهم بين الأدباء وأعضاء المجامع حينا، وبين المعلمين والصحفيين أحيانا. هؤلاء يسيئون الى اللغة وهم يظنون أنهم يخدمونها ويحافظون عليها. قبل أيام قليلة فقط حدثني أحد الأصدقاء أن معلما (للعلوم!) اعترض على ورود تركيب من مضافين لمضاف إليه واحد: يجب أن نقول "سيف زيد ورمحه" في رأي هذا الأستاذ، أما "سيف ورمح زيد" فخطأ إن لم يكن خطيئة! لا أعرف لماذا أجاز القدماء لأنفسهم أن يقولوا "دخل وجلس زيد" ولا نجيز نحن لأنفسنا أن نقول "كتاب ودفتر التلميذ"؟ ثم من يستطيع أن يقاوم هذا التركيب الجديد؟

أخيراً، وبعد التغلب على العوائق المذكورة، لا بد من وضع المعاجم الحديثة للغة العربية. عيب علينا أن نستعمل قاموس هانس فير أو قاموس شاروني أكثر من القواميس العربية، مثل المنجد أو الوسيط ، في البحث عن الألفاظ الجديدة. كانت في هذا المجال محاولة قاموس الوسيط مثلا، إلا أن الوسيط وحده لا يكفي، ناهيك أنه غدا في أيامنا هذه غاية في القدم. لا بد من معاجم حديثة، تصدر عن مؤسسات رسمية، تقر التجديدات والابتكارات، وتعمل على توحيدها وتعميمها أيضا. كذلك يجب وضع كتب النحو الجديد للغة الحديثة المعاصرة، لتستوعب وتقرّ كل ما جدّ على الجملة العربية المعاصرة . هل هناك لغة معاصرة تطبق عليها قسراً كتب وقواعد في النحو وضعت قبل مئات السنين، عدا لغتنا العربية – "لغة الضاد"؟

لا بد للعربية أن تتطور لتستوعب الحضارة المعاصرة، وهي قادرة على ذلك بل لقد تطورت كثيراً رغم العوائق والمعوقين. إلا أن تطور اللغة يعاني، غالباً من البطء والفوضى، فلنساعدها نحن الناطقين بها على التطور، نتطور نحن ونعينها على التطور أيضاً.