مثقف فلسطيني في فترة الانتداب:أكرم زعيتر مثقفاً ومربياً ، (1925 -1939 ).
مثقف فلسطيني في فترة الانتداب:أكرم زعيتر مثقفاً ومربياً ، (1925 -1939 ).
share facebook



مثقف فلسطيني في فترة الانتداب:أكرم زعيتر مثقفاً ومربياً ، (1925 -1939 ).

د. مصطفى كبها

 

يحاول هذا المقال استعراض دور المثقفين الفلسطينيين في فترة الانتداب التي تعتبر ، وبحق ، فترة تشكل أساسية في عملية تبلور الثقافة الوطنية الفلسطينية ، وذلك من خلال البصمات التي تركها أحد أهم المثقفين الفلسطينيين في الفترة المذكورة : المثقف والمربي والصحافي والسياسي والمؤرخ أكرم زعيتر .

امتدت المسيرة الإبداعية لأكرم زعيتر منذ مطلع العشرينيات في القرن الماضي وحتى وفاته عام 1996 ، ولكننا في هذا المقال سنركز على دوره في فترة الانتداب البريطاني خاصة في الفترة الممتدة من 1925 -1939 ولن نتجاوز عام 1948 حيث غادر فلسطين إلى الأردن وأشغل هناك مناصب سياسية رفيعة منها وزارة الخارجية ورئاسة مجلس الأعيان .

كثيرة هي التعريفات التي تحاول أن تلقي الضوء على عمل ونشاط من تسبغ عليهم صفة "مثقف". الاختلافات بين هذه التعريفات ليست بالقليلة بطبيعة الحال . ولكنها تتفق على وجوب توفر صفة المبادرة لدى من يصبون لهذا اللقب وقدرتهم على القيادة والتأثير ، خاصة فيما يتعلق بصياغة هوية وأوليات كيان المجموعة التي ينتمون إليها وتحديد مساراتها وسياقات عملها . وسؤال تعريف كلمة " المثقف " ، سؤال مطروح على الأجندة الثقافية العالمية منذ فترة ليست بالقصيرة . وقد أدرك محاولو التعريف ، منذ البداية، صعوبة الوصول إلى تعريف متفق عليه وذلك لعدم الاتفاق أولاً على تعريف دقيق للثقافة ، وثانياً لاختلاف السياقات وتفاوتها بالنسبة للمجتمعات الإنسانية المختلفة .

ومن الصواب الافتراض أنه إلى جانب عدم الاتفاق على تعريف واحد ، دقيق وملزم ، هناك الكثير من النقاط التي وصل الخائضون في التعريف إلى شكل من أشكال الاتفاق عليها ، أولها إرجاع الكلمة إلى الأصل اللغوي - المصطلحي ، وثانيها تحديد الأنواع تبعاً لحدود وأبعاد المصطلح ، وثالثهما تحديد الأدوار والوظائف والمسؤوليات .

خلافاً للمصطلح الأجنبي ذي الأصل الفرنسي والذي يتحدث عن القدرات الذهنية -العقلية ، يتحدث المصطلح العربي الذي يعود للأصل ث.ق.ف عن اكتساب المهارات فالفعل "ثقف " يعني حذق بالشيء وأتقنه أو صحح اعوجاجه . وعليه فإن المصطلح العربي يرمي إلى المختصين الحاذقين بصنعتهم وعلى الأغلب أن المقصود فيه بمصطلحات اليوم "الأكاديميين المختصين " المحتاجين لتأهيل معرفي -تعليمي ، ومن هنا قد يكون قد نشأ الربط بين التعليم والثقافة فغدا التعليم شرطاً من شروط الإغداق على الإنسان المتعلم بلقب "مثقف " . ولم ير الناس ، على الأغلب ، ربط القدرات الذهنية والحذق والاختصاص بمقدار الوعي الذي يتمتع به صاحبه خاصة فيما يتعلق بالقضايا المصيرية للمجموعة التي ينتمي لها ( إنسانية كانت أو وطنية أو دينية أو قومية ) .

تحديد الأنواع والأشكال والصفات : على المستوى العربي ، رأى هشام شرابي أن للمثقف صفتين رئيسيتين أولاهما الوعي الاجتماعي الكلي بقضايا المجتمع وثانيهما الوظيفة الاجتماعية التي يلعبها المثقف بوعيه وإدراكه ونظرته الثاقبة للأمور.[1] أما على المستوى العالمي ، فيصف المفكر الإيطالي غرامشي نوعين من المثقفين : "المثقف العضوي" و"المثقف التقليدي" . والمثقف العضوي ، حسب رأيه ، الذي يعمل على تصميم أهداف ومطالب الفئات الاجتماعية الدنيا وقيادتها نحو تجسيد هذه المطالب . أما "المثقف التقليدي " حسبما يرى غرامشي فهو الذي يعمل جاهداً في سبيل استمرار هيمنة وسيطرة النخب والطبقات الاجتماعية العليا . فقضية الانتماء للمجموعة هي قضية مفصلية في تحديد نوع المثقف وشكل الأدوار التي يؤديها.[2] وقد قسم غالي شكري ، بالنسبة للسياق العربي ، أنواع المثقفين ، حسب بوصلة الانتماء ، إلى ثلاث دوائر أساسية : المنتمي واللامنتمي والمتمرد.[3] والانتماء هنا قد يكون اجتماعياً -طبقياً وقد يكون سياسياً -أيديولوجيا (وطني ، قومي ، أممي أو ديني ) .

أكرم زعيتر المثقف : منذ فجر صباه ، فهم أكرم زعيتر طبيعة الدور الذي يجب أن يتبوأه في كل ما يتعلق بصياغة دوائر الانتماء المختلفة والمتشابكة للمجموعة القومية أو الوطنية التي شعر نحوها بمشاعر الانتماء، مدركاً مسؤوليته اتجاه بلورة مضامين المركبات والقواسم المشتركة التي يجب أن تلتقي عليها مشاعر الانتماء لأفراد تلك المجموعة . وتبعاً لذلك أدرك أن الكتابة في الصحف والكتب أو الخطابة في المحافل المختلفة هي وسائل ناجعة وشديدة التأثير على بلورة تلك المضامين .ومن منطلق إدراكه هذا وظّف جل ما تمتع به من صفات كتابية وخطابية لخدمة ما نادى به من أفكار . ولا غرو أن نرى ، خلال فترة قصيرة من بداية نشاطه الجماهيري العام في نهاية العشرينيات من القرن الماضي ، أكرم زعيتر قد أصبح معروفا ًلدى الرأي العام بقدرته على التأثير فأخذ الناس يلقبونه "زعيم الشباب " وأصبح يدعى إلى الاحتفالات العامة ليكون في مقدمة الخطباء فيها . هذا جنباً إلى جنب مع عملية تحوله إلى أحد أهم الصحافيين المؤثرين على الرأي العام الفلسطيني منذ بداية كتاباته في صحيفة اليرموك الحيفاوية عام 1929 وحتى عام 1948 مروراً بفترة ثورة وإضراب 1936 -1939 التي كان يكتب أثناءها خمسة مقالات بخمس صحف مختلفة .

هذه الإنجازات بهذه الفترة الزمنية القصيرة ، جعلت أكرم زعيتر يتبوأ ، وبفترة زمنية قصيرة نسبياً ، مكاناً في صدارة المثقفين الفلسطينيين في تلك الفترة خاصة أولئك الذين آثروا الجلوس في برج عاجي ، في وقت كان فيه شعبهم يمر بأهم فترات التشكل والتبلور . في هذه الفترة أصبح تأثيره كبيراً خاصة فيما يتعلق بموضوع صياغة الخطاب الوطني والقومي والتعابير المستعملة للتعبير عنهما . وقد تبلور هذا التأثير بتيار خطابي بلاغي يعتبر زعيتر من أهم واضعي أسسه ، ليس فقط في السياق الفلسطيني وإنما في السياق العربي العام .

فمواصفات وملامح المثقف التي سبق وذكرناها أعلاه ، تنطبق إذن على أكرم زعيتر ولم تنطبق على الكثير ممن دعوا بالمثقفين في عصره وفي الأجيال التي تلته . فقد كان الرجل مدركاً تمام الإدراك لدوائر انتمائه وهويته وعمل جاهداً على صياغتها وتمريرها إلى أبناء جلدته من قراء وسامعين وطلاب وسياسيين . وكان شديد الاعتزاز بهذا الانتماء ، مستعداً لبذل الغالي والنفيس في سبيله فقد ترك وظيفته في سلك التعليم عام 1929 رغم ضنك العيش وارتضى السجن والإبعاد والنفي والإقصاء . ولكن كل ذلك لم يجعل منه إنساناً متعصباً ،نافياً أو متجاهلاً للآخر . بل كان دائم الاستعداد للحوار بحججه القوية وبراهينه غير المدفوعة . وقد ميّزت هذه الصفات سلوكه منذ دخوله المعترك العام في منتصف العشرينيات من القرن العشرين ، مروراً بنشاطه التربوي والصحافي والسياسي في فلسطين والعراق والأردن وانتهاءاً بسنوات تقاعده وانكبابه على التوثيق والتأليف في عقدي حياته الأخيرين .

وكي نعطي الرجل ما يستحق من دراسة وتمحيص فيما يتعلق بسيرة حياته وميراثه العلمي والثقافي رأيت أنه من الأصح أن أستعرض المحطات المفصلية في حياته والتطرق من خلالها إلى أبواب مهمة من ميراثه في الخطابة والصحافة والتربية والسياسة .

محطات مهمة في حياة أكرم زعيتر :

السياق الزمني والخلفية الاجتماعية التي ظهر فيها: ولد أكرم زعيتر عام 1909 في مدينة نابلس التي كان في حينها ابوه ، الحاج عمر زعيتر ، رئيساً لبلديتها . كانت نابلس على الرغم من بعدها النسبي من الساحل ( كما هو الحال بالنسبة لعكا وحيفا ويافا ) مركزاً من مراكز النهضة الحديثة في فلسطين ، أولاً بسبب السمعة التي اكتسبتها كمركز منيع مقاوم للغزاة والطامعين في القرن التاسع عشر الشيئ الذي جعل الحكام العثمانيين يولونها عناية خاصة . وثانياً بسبب علاقاتها التجارية المتشعبة مع مدن الساحل ومع سائر أنحاء بلاد الشام ومصر . وعن طريق هذه العلاقات ،كان بوسع النابلسيين الاطّلاع على كل ما هو جديد من تقنيات وبضائع ومعدات وتجهيزات الشيء الذي حولها إلى مركز جذب لقطاع قروي ريفي واسع امتد قسمه الأول غرباً حتى عنبتا وعرف بمغاريب نابلس في حين ترامى قسمه الثاني حتى الغور ونهر الأردن وقد عرف بالمشاريق . [4]

وبحكم كونه إبناً لرئيس بلدية نابلس تعرف أكرم على عيّنات من أبناء شعبه ، أجاد فهمها وأحس عن قرب بنبض وجدانها . وقد أكثر في صباه من مجالسة الوافدين على ديوان والده أو الجالسين في المصابن القريبة من بيته ، مستمعاً إلى أحاديثهم ومتعلماً كثيراً من التفاصيل التي يمر بها مسقط الرأس في المجال الضيق والوطن في المجال الأوسع .

وفيما يتعلق في السياق الذي عاشه الوطن فيمكننا القول إن فلسطين في هذه الفترة كانت تعيش بدايات تبلور الصراع القومي على أرضها حيث كان يسكنها قرابة 700000 نسمة ، 642000 منهم من العرب والباقون من اليهود . انتمى حوالي70% من العرب للقطاع القروي ، 22% منهم للمجتمع المديني و8% منهم كانوا من البدو الرحل .[5]

مدرسة النجاح الوطنية كدفيئة أولى لبلورة حسّه القومي : عند انتظام أكرم زعيتر للدراسة في مدرسة النجاح الوطنية لاحت له فرصة التعرف على المجال العربي العام ومشاعر الانتماء إليه من خلال تاثره بأساتذته الذين نموا لديه الحس القومي وخاصة محمد عزت دروزة ، إبن مدينته الذي أشغل منصب مدير المدرسة في الفترة الواقعة بين 1921 -1926 . وقد اصبح فيما بعد رفيق دربه في حزب الاستقلال العربي الذي شارك الإثنان بإنشائه عام 1932 . وصف محمد عزت دروزة عمله في المدرسة وتركيزه أثناء ذلك على تنمية الروح الوطنية والقومية فقال : " ومنذ السنة الاولى صرت أجمع طلاب الصفوف الإعدادية بعد ظهر كل ثلاثاء ، وألقي عليهم محاضرة في مواضيع أخلاقية وأدبية ووطنية وإسلامية وتاريخية واجتماعية ، وكنت أسمح لمن يريد من الطلاب بطرح ما يريد من أسئلة في صدد الموضوع الملقى ، وأجيب عليه . واستمر هذا التقليد طيلة السنوات الست ". [6]

كما وتأثر زعيتر أثناء تواجده في مدرسة النجاح بأستاذين ذكرهما في يومياته أكثر من مرة : الأول زكي النقاش مدرس موضوع العلوم وهو لبناني من مدينة بيروت ،أما الثاني فكان معلم اللغة الإنجليزية أحمد عبد الله هارلو وهو مواطن أمريكي أشهر أسلامه واتخذ لنفسه اسم أحمد عبد الله .درّس موضوع اللغة الانجليزية في مدرسة النجاح سنوات عدة وكانت له على تفكير طلابه بصمات لا تنسى خاصة فيما يتعلق بتعريفهم على التراث الإنساني العام من فن وأدب وصنوف ثقافية أخرى .

وفاة والده وتأثير ذلك على مسيرته : كان أكرم زعيتر شديد الاعتزاز بوالده ومدركاً للوظائف التي أداها في محيط مدينته وفي المحيط الفلسطيني العام . وقد وصف في مذكراته يوم وفاة والده ومشاعره وهو يسير مع جمهور مشيعيه قائلاً: " كان أبي رئيساً للبلدية وزعيماً خطير الشأن في فلسطين كلها . ولا سيّما في لواء نابلس ، ولما توفي تفجعت البلاد عليه . واضربت مدينة نابلس حداداً ، وكان له موكب تشييع لم تر نابلس مثيلاً له . كنت في الخامسة عشرة من عمري . وكنت معجباً بأبي ، بدهائه بذكائه ، بغيرته على وطنه ودينه ، بقوة شخصيته ، بجاذبيته ، برباطة جأشه ، بسرعة خاطره ، بشجاعته وباحتمال التبعات الجسام في أحلك الأيام . فكان حزني عليه ليس حزن الولد البار على أبيه الرحيم فقط ، ولكن حزن المعجب بمناقب أبيه . كنت أبكي ونحن سائرون في الجنازة الضخمة والمدينة كلها مغلقة (....) وأن ما يبكيني أن يغدو هذا الذكاء الوقاد تحت التراب ثم يصبح ذلك الرجل العظيم رميماً ". [7] ولعل أهم العبارات التي قيلت لأكرم في ذلك اليوم وبقيت عالقة بمخيلته ومؤثرة في سلوكه كانت عبارة قالها له أستاذه زكي النقاش أثناء التشييع وقد جاء فيها : " لقد خلّف لك أبوك مجداً لا يضاهى فكن كأبيك ".[8]

ولم يكن فقدان الأب في هذه المرحلة ضاغطاً على المشاعر والأحاسيس فحسب ، وإنما كان في ذلك أيضاً فقدان لمعيل أعال عائلته بالكاد وكان عليه أن ينفق أيضاً على دراسة أبنائه الجامعية : الإبن الأكبر عادل الذي كان ، حينها ،طالباً للحقوق في جامعة السوربون في باريس ، وأكرم الذي كان يتهيأ لشد الرحال إلى بيروت للدراسة في الجامعة الامريكية هناك . وشاء القدر أن تكون وفاة الوالد عشية بداية الفصل الدراسي الأول في الجامعة الأمريكية فكان الحزن الشديد على فقدان الوالد، وكان القلق على مستقبل الدراسة وكيفية تدبير أمور تكاليفها. يصف زعيتر تلك الفترة قائلاً : ثم دبر القسط المدرسي وذهبت إلى الجامعة مثقلاً بالهموم والأحزان . ذهبت متأخراً لأن والدي توفي في تشرين الثاني سنة 1924 ، ورحت أطوي الليل بالنهار لألحق بالطلاب (.... ) وعدا اجتهادي البالغ في الجامعة وهو اجتهاد هد جسمي وأورثني مرضاً كان يظن أنه عضال " .[9]

سنة في دفيئة الجامعة الأمريكية في بيروت :

على الرغم من ضغط تعويض الفروض الدراسية الذي أشغل أكرم فور وصوله الجامعة فقد استطاع ، في فترة زمنية قصيرة ، أن يكون فعالاً في الأوساط الثقافية والنشاط الطلابي في الحرم الجامعي وفي مدينة بيروت كذلك.

وعن فترة دراسته القصيرة يتحدث صديقه قسطنطين زريق فيقول : " جمعتنا الدراسة عام 1924 -1925 في السنة الأولى من كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية في بيروت . ولما كانت إدارة الكلية تنظم لوائح الطلاب للجلوس في المحاضرات أو لأغراض أخرى حسب الحروف الأولى من اسم العائلة باللغة الإنجليزية ، فإن زعيتر وزريق الذي يبدأ إسما عائليتهما بآخر حرف من حروف الأبجدية الإنجليزية (Z) ، كانا يجدان نفسيهما دوماً جنباً إلى جنب في أسفل اللوائح وبالتالي في آخر المقاعد التي يصطف عليها الطلاب . وهكذا قصينا سنة أكاديمية كاملة درسنا فيها معاً ، وعبثنا معاً ، فنشات بيننا علاقة دامت العمر كله " . [10]

لم يكن حرف (Z) ، بطبيعة الحال ، هو الجامع الوحيد بين قسطنطين زريق وأكرم زعيتر ، فقد جمعهما الإيمان بالفكر القومي العربي وفكرة الوحدة العربية وكانوا من أبرز المبشرين بهما . وقد كان حرم الجامعة الأمريكية في بيروت ، في تلك الفترة ، دفيئة أساسية لذلك الفكر الذي اجتمع حوله الشامي والمصري والمغربي والعراقي والحجازي واليماني . وفي الجامعة الأمريكية هذه نمت وترعرعرعت أول نواة لحركة القوميين العرب التي نادت باستقلال البلاد العربية ووحدتها ، وكان أكرم زعيتر وقسطنطين زريق ورفاقهما الآخرين من مطوري تلك النواة عندما خرجت للسياق السياسي العام وحاولت أن تجد لها مكاناً في المنظومة السياسية الإقليمية العربية.

وعن نشاطه الثقافي في أروقة الجامعة الأمريكية يقول زعيتر : " كنت اشترك في الجمعيات : العروة الوثقى ، زهرة الآداب وغيرهما . وكنت أخطب في جميع المسابقات وأناظر في المناظرات . وكنت أظفر في الجائزة الأولى ، وظفرت في الجائزة الثانية في زهرة الآداب" . [11]

وقد يكون هذا النشاط الجم الذي قام به أكرم ، إضافة إلى الفروض المدرسية التي كان عليه أن يعوضها بسبب البداية المتأخرة ، قد أثقلت عليه كثيراً وسببت له اعتلالاً وتدهوراً في صحته . وقد نصحه الأطباء بالخلود التام للراحة . عندها كان القرار بالعودة إلى نابلس . ومن الممكن الافتراض أنه إضافة للحالة الصحية كان للوضع المادي للعائلة حصة بترجيح أمر العودة وترك رحاب الجامعة الأمريكية على الرغم مما صاحب ذلك من حزن وأسى .

العودة إلى نابلس ، التعيين في إدارة المعارف وبداية رحلة المتاعب مع بومن :

عيّن أكرم زعيتر ،بداية في السنة الدراسية 1925 -1926 ، معلماً في المدرسة الهاشمية في نابلس بمرتب قدره ثمانية جنيهات . سر الأهل والأصدقاء بهذا التعيين إلا أكرم الذي كان حلمه أن يكون أكثر من ذلك . وقد وصف مشاعره تلك حيث قال : " عدت إلى البيت وأخبرت أخي والأهل بالأمر فباركوا لي ، أما أنا فقد انزويت في غرفتي وأغلقت الباب ورحت أبكي وأبكي وأخاطب نفسي : هل قدر علي أن ينتهي بي الأمر إلى بالتعليم في مدرسة ابتدائية ؟؟ " . [12]

ولكن وقوف أخيه عادل إلى جانبه وطمأنته أن ذلك يجب أن لا يفت في عضده والأجواء الحسنة التي وجدها في المدرسة جعلاه يغير رأيه ، وقد قال واصفاً يومه الأول في المدرسة : " استقبلني مديرها الأستاذ علاء الدين حلاوة بحفاوة ... وكذلك فعل الأساتذة ، ولا سيّما الشيخ حسني الغبوة والأستاذ راغب ملحس . عرفني المدير بالطلاب ... وآليت على نفسي أن أبذل جهدي في أداء واجبي . ومع أن التعليم في مدرسة ابتدائية لا يرضي طموحي أبداً ، فإنني رأيت أن بث الروح الوطنية أو بذر بذور الوطنية في نفوس الأحداث الصغار واجب تهيّأ لي أن اؤديه الآن. وقد كانت الثورتان المغربية ويقودها محمد بن عبد الكريم الخطابي والسورية ويقودها سلطان الاطرش ينبوعين لا ينضبان للأحاديث الوطنية . وكان الطلاب يترقبون دروسي بشوق بالغ " . [13]

لم يطل مكوث زعيتر في المدرسة الهاشمية الإبتدائية بل تم نقله في السنة الدراسية التالية للمدرسة الصلاحية الثانوية التي كان يديرها نور الدين العباسي ( والد الشاعر عصام العباسي الذي أقام لاحقاً في حيفا ) . وفي تلك المدرسة صال أكرم زعيتر وجال في موضوع التنشئة والتهيئة الوطنية والقومية ، حيث قام بإنشاء منتدى أدبي للطلاب وقام بتأليف الأناشيد الوطنية التي أنشدوها في المناسبات المختلفة . كما وبدأ في تلك السنة بمراسلة صحيفة الشورى التي كان يصدرها محمد علي الطاهر ، إبن مدينة نابلس ، في القاهرة . ولعل كلا النشاطين أقلق المسؤولين في سلطة المعارف البريطانية وعلى رأسهم بومن الذي كان تضايقه كل محاولة لبث الروح الوطنية لدى الطلاب من خلال الجهاز التعليمي فاوعز إلى المفتشين المسؤلين عن لواء نابلس بنقل أكرم زعيتر إلى مدرسة عكا الثانوية الواقعة آنذاك في جامع الجزار .

أرّخ أكرم زعيتر أثناء تواجده في المدرسة الصلاحية لزلزال 1927 الذي ضرب البلاد وأوقع خسائر فادحة بمدينة نابلس . والمتأمل للنص الذي وصف فيه الزلزال ، لا بد أن يلاحظ قدرة فائقة غلى التوثيق الدقيق حيث يقول : " ولم نكد نخرج من المدرسة حتى رأينا بابها يتهدم وكان المرحوم أحمد البسطامي أستاذ العربية معنا وقد خرج من دون جبته وجواربه ، فغامر آذن المدرسة بأن اقتحم المبنى وأحضر الجبة دون الجوارب فاضطر إلى السير دونها " .[14]

الانتقال إلى عكا : لم يكن الانتقال إلى عكا آخر ما يصبو إليه أكرم زعيتر في تلك الفترة ، خاصة وأنه كان يصبو لإكمال دراسته الجامعية من خلال الانتساب إلى مدرسة الحقوق في القدس . إذ أنه قابل هذا النقل في البداية بالسخط الشديد وكتب إلى بومن محتجاً على ذلك . زادت إجابة بومن الطين لة حيث أنه برّر نقل أكرم إلى عكا بالقول إنه ينقل إلى "محيط هادئ ومسالم (Peaceful Atmosphere ) " كما جاء في الرد . [15]

كان بومن يعتقد بأنه من خلال إبعاد أكرم زعيتر إلى عكا يستطيع أن يحد من نشاطه الوطني ويقطع صلاته بالفعاليات والنشطاء الوطنيين في نابلس والقدس ، ولكنه سرعان ما اكتشف زيف اعتقاده عندما بدأ أكرم يبني شبكة جديدة من العلاقات مع نشطاء الحركة الوطنية في حيفا وعكا ويسعى جاهداً ، إضافة لذلك ، إلى بث الروح الوطنية في أوساط تلاميذه . وسرعان ما تبدلت مشاعره نحو عملية النقل وأخذ يشعر بالإلفة والمحبة التي أسبغها عليه أهل عكا ، وقد وصف ذلك قائلاً : " أنست بعكا كثيراً . الوداعة تتمثل في أهليها ، إضف إليها شهامة ومروءة وصدق وداد . أخذت أدرس الطلاب بحماسة واندفاع ، ولم أدع سانحة دون أن أبث فيهم المبادئ الوطنية السليمة ، فكان ذلك داعياً لالتفافهم حولي ، وثقتهم بي ، والانكباب على الدرس الذي أعلمه بنشاط واندفاع . حرصت أن أدرس دروساً في التاريخ والأدب العربي ، وكان درس المحفوظات درساً للوطنية . وكان الطلاب يقبلون على حفظ ما أعطيهم إياه غيباً ، وإلقائه بقدرة ، حتى نبغ فيهم خطباء ". [16] ولم تكن شهادة أكرم زعيتر عن تلك العلاقة العضوية التي نمت وتوطدت أواصرها خلال فترة قصيرة . ففي تقرير كتبه المربي خليل السكاكيني الذي كان آنذاك مفتشاً على موضوع اللغة العربية وقد زار عكا بحكم هذه الوظيفة وشاهد درساً من دروس أكرم زعيتر في موضوع المحفوظات العربية ، قال : " حفظ الطلاب هذه القطع جيداً وتأثروا بها كثيراً وأحسنوا في إلقائها كل الإحسان في لفظهم وأصواتهم وإشاراتهم وحركاتهم وعلائم وجوههم ، مما لم أر له مثيلاً في مدرسة أخرى من مدارس فلسطين . فكان الواحد منهم كأنه هو صاحب القطعة لا حافظها ، ولا عجب ، فقد رايت الأستاذ نفسه متأثراً بتلك القطع ، فكأنها من روحه لا من اختياره " . [17]

وكان زعيتر كثيراً ما يسافر إلى حيفا وبدأيكتب في صحيفة "اليرموك" التي كان يمتلكها رشيد الحاج إبراهيم

، زعيم حيفا العربية في حينه ، ويحررها الصحافي اللبناني هاني ابي مصلح وصحيفة "الزهور " التي كان يمتلكها ويحررها جميل البحري . [18] كان يكتب في البداية تحت أسماء مستعارة كي لا يزيد علاقاته مع مديرية التربية والتعليم تعقيداً فكتب تحت أسماء "إبن الصحراء" ، إبن البادية " أو حرف "أ" .

في هذه الفترة بدأت تربطه علاقة صداقة متينة مع أحمد الشقيري إبن الشيخ أسعد الشقيري . وقد وصف أكرم علاقتهما تلك قائلاً : " كان السيد أحمد الشقيري إبن الشيخ أسعد الشقيري يتردد على غرفتي كثيراً ، يجيئ يبثني آلامه من أبيه وقد كنت أنكر عليه في نفسي تحامله على أبيه مع أنه سكن معه ويعيش على نفقته . وقد كنت أقضي كثيراً من السهرات والسيد الشقيري في غرفتي نتحدث في الشؤون العامة فألمس منه تحمساً فائقاً ويبدو عليه الذكاء المفرط وهو يساير محدثه ولا يجادله ، وإذا حمل على خصم غير موجود في الجلسة ، أرسل لساناً صارماً ورمى خصمه بالمقذعات " . [19]

كتابات في عين العاصفة وذروة التأثير : 1929 -1939 : كانت هبة البراق لصيف عام 1929 قد اندلعت وأكرم زعيتر يقضي العطلة الصيفية في نابلس ، بعيداً عن تلاميذه في عكا . ولكنه كان يتابع أخبارهم أولاً بأول راغباً بمعرفة نتائج ما كان قد أذكى في نفوسهم من روح وطنية متّقدة . وبعد أن عاد إلى عكا ،كانت الفعاليات الوطنية الفلسطينية قد بدأت سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات على تصرف البريطانيين اتجاه الفلسطينيين أثناء هبة البراق . وقد كان أكرم زعيتر في هذه الفترة من أهم مصممي الرأي العام الفلسطيني حيث كتب جملة من المقالات في صحيفة "اليرموك" الحيفاوية و"الإقدام" اليافاوية ، كان أهمها مقال كتبه تحت الاسم المستعار " عربي أبيّ " احتج فيه على جلد الطلاب الفلسطينيين في نابلس وصفد بسبب إقدامهم على الإضراب . كان المقال تحت عنوان : أيها الضارب ، شلت يداك أطرد ولا تضرب" ، جاء فيه : " الطلبة فريق الأمة المتحمس وأتونها المستعر ، أولى الناس بالإضراب ، وأولى الناس بالسخط ، وأولى الناس بتأمين المستقبل ، وأي مستقبل مجهول أكثف غيوماً وأبلغ خطورة من مستقبل الناشئ العربي في هذا الوطن البائس (...) يا للزمان الغادر ، الذي يضرب فيه علج أجنبي بسوطه أقفية أنسال محمد وخالد وأحفاد عمر وعامر ! (...) شباب اليوم ، رجال الغد ، زهرة الأمة ، جمرة الوطن يضربون بالسياط لأنهم قاموا بواجبهم كبشر ، أيها الضارب شلّت يداك ، أطرد ولا تضرب " . [20]

لم يشفع الاسم المستعار لأكرم زعيتر ، فقد عرف بومن ومساعدوه هوية الكاتب فور صدور المقال سيما وأن تلامذة أكرم زعيتر قاموا بتوزيع الجريدة في عكا وحيفا ولم ينكر هو أيضاً أنه الكاتب . منذ تلك اللحظة بدأت سلسلة من الضغوطات عليه بوصفه موظفاً بمديرية التربية والتعليم البريطانية . لم يترك أكرم فرصة للضاغطين لابتزازه ، فعمد لتقديم استقالته من الوظيفة الحكومية مفضلاً النشاط الوطني على الوظيفة الحكومية وقسريات التعامل معها .

 

من ميدان التربية والتعليم إلى ميدان الصحافة :

عشية استقالته من المعارف ، كان أكرم زعيتر قد تسجل في مدرسة الحقوق في القدس فانتقل إلى هناك وشرع بالدراسة ، وفي الوقت ذاته أصبح قريباً من مركز اتخاذ القرار السياسي الفلسطيني . وقد صادف وقت انتقاله إلى القدس أن توجه له بولس شحادة صاحب جريدة مرآة الشرق والسياسي والمربي المعروف ، بعرض لتحرير "مرآة الشرق" . لم يكن من السهل على أكرم زعيتر أن يقبل هذا العرض سيّما أن الصحيفة عدت في حينه ناطقة شبه رسمية باسم معسكر المعارضة النشاشيبية [21]، وثمة اختلافات أيديولوجية بين زعيتر وشحادة في مجالات شتى أهمها معارضة أكرم زعيتر لأي حوار أو مفاوضات مع البريطانيين والدعوة لمقاطعتهم التامة ، الشيء الذي دعا إليه بولس شحادة وأركان المعارضة الآخرين . إشترط أكرم لقبوله المنصب أن تتوفر له الحرية الكاملة لرسم سياسة الصحيفة وكل ما يكتب فيها . في حين طلب بولس شحادة ، من جانبه ، عدم توجيه الانتقاد إلى بعض زملائه العاملين في السياسة ، وهم : راغب النشاشيبي ، أسعد الشقيري ، سليمان طوقان ، عمر الصالح البرغوثي وأحمد سامح الخالدي . وعندما أعلم أكرم زعيتر بولس شحادة بأنه لن يتوانى عن توجيه النقد لهؤلاء إذا ما تعرضوا للقضية الوطنية ، رد عليه شحادة بأنه من المفضل ، حين ذاك ، أن يتشاور معه قبل أن يكتب شيئاً يتعلق بهم . [22]

لم يكتب لهذا الاتفاق أن يمتحن بشكل جدي فالمجتمع الفلسطيني ، في حينه ، كان مشحوناً ومتجنداً برمته ( مجلسيين ومعارضة ) ساعياً لتجسيد المطالب الوطنية بشكل يتناغم مع آراء أكرم زعيتر الشيء الذي مكنه ، في فترة زمنية قياسية ، أن يجعل مرآة الشرق منبراً يضاهي بمواقفه رصيفاتها آنذاك "فلسطين" ، "الجامعة العربية" و"الكرمل ".

كان المقال الأول الذي كتبه أكرم زعيتر في "مرآة الشرق " يحمل عنوان " استقلاليون " وفيه تحدث عن مبادئ حركة الاستقلال الوحدوية العربية وضرورة سعي الفلسطينيين للحصول على الاستقلال بكل ثمن . وقد فكرته حول ذلك قائلاً : " وإذا كنا غير قادرين على الظفر باستقلالنا فيجب ألا يخيفنا ذلك من الجهر بأننا استقلاليون نحيا للاستقلال ونعمل في سبيله ". [23]

وقد ركّز زعيتر أثناء الفترة التي قضاها محرراً لمرآة الشرق ، حسما ذكر في مذكراته ، على ستة محاور وهي : " - الدعوة إلى عدم الاتكال على عصبة الأمم لأنها كانت أداة طيعة بيد الإنجليز وحلفائهم .

لفت النظر إلى جهاد الهنود في سبيل استقلالهم والدعوة للاقتداء بهم ونقل اقوال غاندي ونهرو ومحمد علي وغيرهم .

- العناية بالأحرار المسجونين ، تحيتهم ، تشجيع كل بادرة من بوادر التضحية لدى شباب الأمة والدعوة إلى زيارتهم وتكريمهم .

- الحملة على باعة الأراضي والسماسرة دون هوادة والتشهير بهم والدعوة إلى تأديبهم .

- تشجيع حركات الشبان ، والدعوة إلى تنظيمهم وحثهم على اقتحام الميدان الوطني منظمين ذوي عقائد راسخة".[24]

ساعد هذا التوجه والتركيز على تلك المحاور من رفع مكانة أكرم زعيتر كمصمم بارز للرأي العام الفلسطيني في حينه وذلك في صعيدين أساسيين : أولهما تنشئة الشباب والجيل الجديد على مفردات قيمية جديدية تتعلق بالهويتين الوطنية والقومية وثانيهما توجيه النقد للقيادات السياسية المهيمنة على الحركة الوطنية الفلسطينية بقصد ترشيدها وتصحيح ما يعتري سلوكها من الاعوجاج .

بالنسبة للصعيد الأول، نشر أكرم عدة مقالات هدفت إلى شحذ همم الشباب وتعبئتهم وقد وقع على هذه المقالات باسم "ثائر " أو " ثورة ثائر " . ففي مقال عنوانه "إلى الشباب " قال : " أيصح أن يترك الشباب الميدات لأناس خلقوا لغير الجهاد ؟ تسيّرهم الأهواء وتلعب بهم النزعات ؟(...) الجهاد الذي لا يسعّره الشباب ولا يلظيه هو والجمود سواء . إذن فليقتحم الشبان ميدان العمل ولينظموا صفوفهم وليؤلفوا جماعاتهم ". [25]

أما الصعيد الثاني الذي تعرض له أكرم زعيتر في الاقتباس أعلاه بالرمز ، تطور فيما بعد ليصبح نقداً واضحاً لسلوك القيادات التقليدية ولآليات عملها . فقد جاء في مقال كان عنوانه " عزيمة حائرة وجبن ممقوت " انتقاد واضح للجسم السياسي التمثيلي الأعلى آنذاك للفلسطينيين وهو اللجنة التنفيذية العربية برئاسة موسى كاظم الحسيني حيث قال : " إن اللجنة التنفيذية بعملها هذا دلتنا على أنها لما تفهم أن التضحية أساس تحرير الأمم ، وأن السجن هو أقل ما يلاقي الذين يخدمون بلادهم (...) إن مدير السجن حين أنذر الموقوفين بإلباسهم لباس السجناء المجرمين إذا لم يقدموا الكفالات ، قد عجم عودنا فوجده ليناً وغمز قناتنا فوجدها غير ذات صلابة . لقد آن لرجال الزعامة منا أن يفهموا أن البلاد لن تنال شيئاً من حقوقها بمثل هذه العزيمة الخائرة والجبن الممقوت " . [26]

لقد أكثر أكرم زعيتر في مقالاته من مطالبة الزعماء أن يكونوا قدوة لأبناء شعبهم وأن يفعلوا ما كان يفعله غاندي ونهرو في الهند أو مصطفى كامل وسعد زغلول في مصر . حيث كان هؤلاء القادة أمثلة يكثر من استعمالها في سبيل جعل الزعماء الفلسطينيين يحذون حذوهم . كما وأكثر من مطالبته بإشراك كافة فئات الشعب بالكفاح الوطني . ففي مقال آخر كان عنوانه " الوطن في خطر والزعماء يتطاحنون" قال : " كان على الشيخ منا أن يطوي ليله بنهاره مفكراً في سبيل قويم لإنقاذ وطنه . كان على الشاب أن يقدم المهجة الغالية والنفس العزيزة ثمناً لسلامة وطنه ، كان على المرأة أن تصرخ صرختها الجبارة بالأمة فتسعّر حميتها وتلظي وطنيتها . كان على الزعيم أن يفني نفسه في خدمة شعبه وإرضاء وطنه . كان على الأستاذ أن يجعل من طلابه جنود البلاد . كان على الغني أن يقدم أمواله أو بعضها في سبيل أمته . كان على المتعلمين أن ينصرفوا إلى رسم الخطط وتنظيم الحركة . كان على الكتاب أن يرهفوا أقلامهم لهز روح الأمة . كان على الخطباء ألا يخطبوا إلا فيما ينفخ روح المقاومة في النفوس . كان على رجال الدين أن يفهموا الأمة أن الكفر في الخنوع والمذلة وأن الكفر في الخنوع والاستجداء ". [27]

المشاكسات مع الضابط ريكس ومقص الرقابة على الصحف : لم يخف عن نظر رجال التحري البريطانيين والمراقب العام للصحف في قلم المطبوعات ما كان لحدة مقالات أكرم وإمكانيات تأثيرها على الرأي العام الفلسطيني . فبادر الطرفان للتضييق والضغط عليه بتليين النبرة . ولكن اللهجة تحولت إلى لهجة تهديد بعدما أخذ أكرم زعيتر يروج ، عبر صفحات الجريدة ، لفكرة إنشاء جيش دفاع شعبي بل إنه جعل من مقر الجريدة مقر تجنيد للشباب الذين أبدوا رغبة بالانضمام لهذا الجيش . بشر أكرم زعيتر قراءه الشباب بهذه الفكرة في مقال افتتاحي لجريدة مرآة الشرق نشره في الخامس من نيسان 1930 جاء فيه : " قد اعتزم فريق من الشباب المخلصين أن يعملوا ، فقرروا تأليف كتلة تسمى جيش الدفاع . لها من اسمها ما يدل على مقاصدها ، تطوف فلسطين ، مدنها وقراها ،لإيقاظ الروح الوطنية وهزها ، وللتبشير بمبدأ الاحتفاظ بالأراضي وتشجيع المصنوعات الوطنية . وستتفق على على يوم البدء بزحفها . فمن يريد أن يعمل من الشباب المخلصين ومن يرى في نفسه القدرة على السير ، ومن يريد أن يضحي بأسبوع أو اكثر من وقته في سبيل وطنه ، ومن لا يخشى الصعاب ويود ان يكون جندياً في جيش الدفاع ، نرجوه أن يتفضل علينا باسمه . الوطن في خطر ، فمن هو الذي يعمل ولا يقول ، ويقتحم الميدان غير هيّاب . فلسطين تستنجد فمن لها ؟ ". [28]

أثار هذا المقال أصداء واسعة وبدأ الشباب يتصلون بمكاتب الجريدة يطلبون الانتساب للجمعية الجديدة . وفي الوقت ذاته بدأ صبر السلطات البريطانية ينفذ اتجاه ما يقوم به أكرم . في البداية تم استدعاؤه لمكتب الضابط كويكلي ، مدير المباحث الجنائية في القدس ، الذي طلب منه تخفيف لهجة مقالاته العنيفة في مرآة الشرق بشكل يساعد السلطات على "تهدئة الحال والدعوة إلى السكينة " .[29] وبعد ذلك استدعي لمكتب الضابط ريكز (الذي كان أكرم يسميه "رجس ") وهو الضابط المسؤول عن المخابرات البريطانية في منطقة القدس ، وقد اعاد ريكز على مسمعه الاسطوانة ذاتها . [30]

ولما لم يمل أكرم لتخفيف اللهجة تم اعتقاله في الحادي عشر من نيسان لمدة أسبوع ثم محاكمته وإبعاده لسنة كاملة عن القدس . وبذلك يكون أول محرر صحيفة فلسطينية في فترة الانتداب يسجن ويحاكم على خلفية نشاطه الصحفي . ومع تركه لمدينة القدس لم يكن باستطاعته الاستمرار بتحرير مرآة الشرق وبذلك يكون قد أنهى بذلك فصلاً مهماً من فصول حياته الصحافية وتكون الصحيفة قد أنهت ، هي الأخرى ، صفحة مفصلية من صفحات تاريخ صدورها .

كان الفصل الثاني من حياة أكرم زعيتر الصحافية قد بدأ في بداية حزيران 1931 ، وذلك عندما اتفق مع أصحاب جريدة الحياة المقدسية ، خير الدين الزركلي وعادل جبر ، على كتابة زاوية يومية في الصحيفة جاءت تحت عنوان " حياتنا الوطنية " . [31]

في هذه الزاوية ، استأنف أكرم محاولاته لشحذ الهمم وبلورة الوعي القومي والوطني ولم يرتدع بالإضافة لذلك عن انتقاد القيادة السياسية للحركة الوطنية . ففي مقال عنوانه "شباب " قال زعيتر : " الشباب نوعان : أولهما من الذين أعمتهم شهواتهم ، لا يبالون بما يجري في بلادهم التاعسة ، هم في واد والوطن المعذب في واد آخر ، لا يحسون ولا يتحركون . لهم آذان لا تسمع ، وعيون لا تبصر ، وقلوب لا تخفق ، وأعصاب لا تشعر ، أموات في صورة أحياء ، وأطفال في شكل رجال . والنوع الثاني من الشبان هم الذين لم يتعد جهادهم القول والذين يظنون أن البلاد تنقذ بالخطب والمقالات والاحتجاجات ، وهؤلاء ينقصهم التنظيم لينتقلوا من دور القول إلى دور العمل . والتنظيم يكون بإيجاد التشكيلات المؤلفة من المتفاهمين المتجانسين ذوي الهدف الواحد والغالبية المشتركة ، وتنقصهم قضية احترام النفس فما اكثر الذين يرتضون لأنفسهم بأن يكونوا آلات بيد بعض المتزعمين المتنفذين الذين لا تهمهم إلا وجاهتهم المزيفة ، مات الوطن أو عاش . وتنقصهم الصلابة في الحق ، وفي الصلابة شجاعة ، وإن الكثيرين منهم ما أسرع أن تخور عزائمهم وتلين قناتهم لأذى بسيط ينالهم ". [32]

قد يكون انتقاد أكرم زعيتر للشباب ناتجاً من عدم تجاوب الكثير منهم لدعواته بزيادة المشاركة الفعلية من جانبهم بالكفاح الوطني والميل لمتع الحياة أو تعليل تقاعسهم بالوظائف التي كانوا يشغلونها . كما ولم يبخل زعيتر على القادة والزعماء الكبار بالنقد الشديد ففي مقال عنونه بعبارة "حبر على ورق " قال : " مصيبتنا في جهادنا لخلاص بلادنا أننا نكتفي بالمقررات ، ولا نفكر في نفاذها ن وإذا نفذناها فإلى مدة محدودة لا تتعدى أياماً معدودات . وقد أصبح هذا شأننا في كل ما نقرره ، حتى بات العدو لا يرهب جانبنا ، ولا يأبه لأقوالنا ، ولا يكترث لقضيتنا ، لثقته بأن هذا الغضب فورة عارضة ، لا تعلو حتى تهبط ، وما أسرع أن ينقلب إلى رضى وقبول . حركتنا الوطنية ينقصها الاستمرار والمثابرة ، فإذا قررنا قراراً ولم نجد من يثابر على تنفيذه باستمرار كان الخير ، كل الخير ، في ألا نقرره . للهيئات كرامة كما للأفراد كرامة ، وليس من كرامة الهيئات في شيء أن تكون قرارتها حبراً على ورق ، والجمعية التي تقرر ولا تنفذ لا تحترم نفسها ، وليست جديرة في أن يحترمها الناس " . [33]

وبعد مغادرة خير الدين الزركلي فلسطين متجهاً إلى مصر في آب 1931 ، أصبح أكرم الحرر الفعلي لصحيفة الحياة وأخذ يكتب ، إضافة لزاوية "حياتنا الوطنية " ، المقال الافتتاحي للصحيفة . كانت أشد هذه الافتتاحيات افتتاحية عالجت هرولة بعض الزعامات الفلسطينية على حفلات الشاي التي أقيمت لوداع المندوب السامي البريطاني تشنسلور والذي أنهى مهام منصبه في آب 1931 . جاءت المقالة تحت عنوان "شاي ودم " وقد قال فيها : " بينما السلطة تتجاهل أن لهذه الأمة كرامة فتمعن في إزهاقها ، بينما العشرات والمئات من أحرار الشباب يساقون إلى السجن زمراً زمراً ، وبينما الأحكام الصارمة تفرض على الشباب دون دفاع ، وفي الحين الذي تطلق فيه البنادق الانكليزية رصاصها على العزل من الشيوخ والشبان والأطفال والنساء ! وفي الساعة التي تصرخ فيها الأمة في وجه المعتدي صرخة جبارة ، تكابد من أجلها أقسى الاضطهاد واشد البطش ، وفي هذه الآونة التي يجب أن يجمع الفلسطينيون على الغضبة للكرامة والذود عن الحمى ، يهرع وجهاء إلى حفلات تكريمية تقام لوداع المندوب السامي في يافا والقدس ! والمندوب السامي هو صاحب السلطة ورب الصولجان ، باسمه تصدر الأحكام وبإرادته تفتح السجون . دم يجري في نابلس ، ومتزعمون يهرولون في المدن الأخرى لتكريم من يمثل سلطة لولاها لما جرت الدماء . ألا يشعرون وهم يشربون الشاي على مائدة التكريم بأن عشرات من إخوانهم تسقيهم القوة كأس العلقم ".[34]

بعد هذه الأقوال العنيفة والمعنفة ، لم يتأخر رد السلطات البريطانية بالوصول . ففي الحادي والثلاثين من شهر آب 1931 تم استدعاء أكرم زعيتر للمثول أما مدير الأمن العام الجديد الضابط سبايسر . وفي المقابلة التي جرت بمكتب الأخير واشترك فيها منيف الحسيني ، محرر "الجامعة العربية" ، تم تحذير المحررين بسبب مقالاتهما التي اعتبرها سبايسر محرضة ومهيجة للرأي العام . [35]

في ظل تهديد السلطات البريطانية وحيال غياب صاحب الجريدة في القاهرة وتحت وطأة العاملين بأجورهم اضطر أكرم زعيتر للإعلان عن إغلاق الجريدة ويبدو أن "القشة التي قصمت ظهر البعير " كانت ضبطه لأحد كبار الصحافيين في الجريدة يملي على ضابط المخابرات ريكز أخبار الجريدة ومحرريها [36]، الأمر الذي أصابه كما يبدو بالإحباط وسرّع باتخاذ قرار الإغلاق ، ليس قبل أن يوقف على ذمة التحقيق ويدخل السجن لبضعة ايام .

العودة لسلك التربية والتدريس في مدرسة النجاح الوطنية : بعد أن ترك زعيتر القدس مرغماً وعاد إلى نابلس، تلقى عرضاً من إدارة مدرسة النجاح للعاقد معه على تدريس موضوعي اللغة العربية والتاريخ فيها . ساهم هذا العرض بالتخفيف عن أكرم ورفع معنوياته مجدداً . باشر عمله في الثاني والعشرين من أيلول 1931 وقد وصف في مذكراته العودة للتدريس قائلاً : " كان سروري في التعليم بالغاً . تنشئة الفتيان التنشئة الوطنية السليمة من أقدس الأعمال . الصفوف منابر لتلقي الروح الوطنية . الدروس مجالات لصنع الرجال . لم أشعر بفرق كبير بين عملي صحفياً وعملي أستاذاً . هناك كنت اخاطب الشعب ، وهنا أربي جيلاً ليتألف منه شعب صالح . على ان العمل في مدرسة وطنية لن يغلق أمامي باب الباب الوطني السياسي . إنني لن أنقطع عن العمل الوطني وسأكتب للصحف الوطنية مقالات في الشؤون العامة " . [37]

كان أكرم زعيتر عند توقعاته بعد تركه لميدان الصحافة وعودته للعمل في التربية . حيث اعتقد أن العمل في مدرسة وطنية سيحرره من قسريات العمل في مديرية التربية الحكومية وسيمكنه من المضي قدماً في نشاطه الوطني . فقد كان ، على الرغم من صغر سنه ، من الهيئة التأسيسية لحزب الاستقلال العربي ، ومن أكثر أعضاء الحزب نشاطاً وفعالية خاصة في كل ما يتعلق بمحاولة تصميم الرأي العام والتعبئة الوطنية . وقد وصف أكرم زعيتر الشكل الذي كان يريد لحزب الاستقلال أن يظهر فيه فقال واصفاً ذلك الحزب : " جرى الحديث حول قيام حزب استقلالي يترفع عن المحليات . ينقذ البلاد من الخلاف بين مجلسيين ومعارضين ولا يميل إلى طرف منهما . يوجه القضية الوطنية وجهة صحيحة ، يقارع الانتداب البريطاني رأساً ويتنزه عن الخلافات العائلية ". [38] كان هذا الشكل الذي أراده أكرم لحزب الاستقلال ولكن أمور الحزب لم تسر كذلك ، إذ أنه لم يسر بشكل تام على طريق الترفع عن أمراض الحركة الوطنية من حمائلية وطائفية وفئوية ن ولم ينجح كما يبدو بسبب ذلك من تأسيس قاعدة جماهيرية كان من شأنها أن تخرج الحركة الوطنية من حمأة تلك الأمراض .

وبمواكبة عمله مديراً لمكتب حزب الاستقلال واصل أكرم نشاطه الكتابي في الصحافة الفلسطينية وأكثر من الكتابة في موضوع السمسرة وبيع الأراضي[39] وقد واكب في كتاباته قضية بيع بعض الأسر اللبنانية الإقطاعية لأراضي منطقة وادي الحوارث في قضاء طولكرم للمؤسسات الصهيونية . كما وواصل عوضاً عن ذلك التدريس في مدرسة النجاح الوطنية حتى نهاية السنة الدراسية 1932 -1933 .

العمل التربوي في العراق: كان أكرم زعيتر قد شارك في الحفل التأبيني الذي أقيم في بغداد بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة ملك العراق الملك فيصل بن الحسين وذلك في الرابع والعشرين من تشرين الأول 1933 . وكان أثناء مكوثه هناك قد تلقى عرضاً من وزارة التربية والتعليم العراقية للعمل في دار المعلمين العليا مدرساً لموضوع التوجيه القومي . وفي الوقت ذاته كتب المقالة السياسية في جريدة "الاستقلال " العراقية ذات التوجه القومي العربي تحت الاسم المستعار "القعقاع " [40] ، كما وانتظم في نشاط جمعية "عصبة العمل القومي ".

أرتقى أكرم زعيتر،وظيفياً ، بشكل سريع وملفت للنظر ، ومن الممكن أن يكون ذلك سبباً أساسياً لإثارة دعاة الشعوبية ضده . فقد عين موجهاً قومياً في دار المعلمين العليا ثم مديراً للثانوية التابعة لكلية دار العلوم . كرم زعيتر ،، ووو وو

لكن الأمور لم تسر بسلاسة كما توقع أكرم زعيتر ، فقد أخذت تتكون في الأوساط الثقافية في العراق معارضة معينة للمشروع القومي العربي وقد كانت نواته من الشيوعيين وجماعة "الأهالي" اليسارية حيث تواجد في هذين التنظيمين الكثير من أبناء الأقليات العرقية الذين ناهضوا المشروع القومي العربي ورفعوا شعار " العراق للعراقيين " . وقد وصف أكرم زعيتر موجة المعارضة تلك إذ قال : " وتكرر الغمز واللمز ، ولا من يحمينا ! لم أتأثرفي بادئ الأمر ، ولا سيما حينما لقيت استنكاراً من كبراء القوم ، ولأني سمعت من سيرة يونس البحري ما لا يجعل لحالته قيمة ، ولكنني حين علمت أن هذه الحملات قد يشجغها السيد مزاحم الباجه جي نكاية برستم حيدر ،وحين ما علمت أن يونس بحري يتردد على جميل المدفعي ومولود مخلص تألمت . ثم بدأت تنكشف لي قوة العناصر الشعوبية في العراق ، وصار صديقي الدكتور أمين رويحة عليّ كل يوم ما يلاقيه من العناصر الشعوبية من معاكسة ، والعراقيل التي وضعت دون حصوله وفوزي القاوقجي على جوازي سفر لأن السلطة الفرنسية التي حارباها حرمتهما الجنسية السورية . حينئذ أدركت أن عملنا في الحقل القومي لن يكون هنيئاً " .[41]

عندما أدرك أكرم زعيتر مدى وعورة المسلك القومي في العراق ، وطّن نفسه على الاستقالة . بعث برسالة الاستقالة في نهاية العام الدراسي 1933- 1934 إلى صادق البصام مدير عام وزارة التربية والتعليم العراقية . لم تفلح محاولات البصام في ثنيه عن ذلك ،لكنه عندما عاد إلى فلسطين ليقضي عطلة الصيف فيها ، تعرض إلأى سيل من محاولات الاقناع بالعودة إلى العراق بعد تجدد الدراسة في العام الدراسي 1934 -1935 ، قام بها لفيف من النشطاء القوميين في العراق وسوريا وفلسطين وذلك ليمضي عاماً دراسياً آخر في بلاد الرافدين .

حامل شعلة الثورة والمنظم الأول لإضراب 1936 :

عاد أكرم زعيتر من العراق في غرّة تموز 1935 ، وذلك بعد أن أقيمت له حفلة وداعية شارك فيها أعضاء نادي المثنى وعصبة العمل القومي .[42] وبعد عودته بدا يزاول نشاطه الجماهيري حاثاً على الثورة وتجديد نشاط الحركة الوطنية بعد أن رأى أنه أصابها بعض الوهن . ففي رسالة جوابية بعثها إلى أعضاء نادي المثنى الذين بعثوا له رسالة يطالبونه فيها بالعودة للعراق ، يبدو تشاؤمه واضحاً بل لم يخل رده من استشراف حيث قال : " إن فلسطين في طريق الفناء إن لم يبادر أبناؤها إلى الاستشهاد وإن لم يبادر العرب إلى مظاهرتهم في كفاحهم".[43]

قضى أكرم زعيتر الفترة بين عودته إلى نابلس وحادثة إعلان االشيخ عز الدين القسّام الثورة المسلحة وسقوطه في معركة غير متكافئة مع البريطانيين في التاسع عشر من شهر تشرين الثاني 1935 ، يكتب المقالات في الصحف وينظم صفوف الحركات الشبابية في المدن الفلسطينية . وقد وقف بنفسه على تنظيم اجتماع شعبي ضخم في نابلس بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لإصدار بريطانيا لتصريح بلفور. علماً أنه شاركت في ذلك الاجتماع وفود كثيرة من المدن الفلسطينية المختلفة وممثلون بارزون عن النقابات العمالية والصحف . [44]

لم يرق نشاط أكرم زعيتر ورفاقه ، بطبيعة الحال ، للزعامات التقليدية للحركة الوطنية الفلسطينية ، سيما وأنه بدأ يطالبها ، من خلال عشرات المقالات التي كتبها في تلك الفترة ، لتغيير ىليات العمل والنزول إلى الشارع ومواكبة نبض الجماهير .

وقد كانت هبّة القسّام هي التي سرعت للتصادم مع تلك القيادات وأعوانها . ففي عشية يوم جنازة الشيخ القسّام كتب أكرم زعيتر مقالاً في صحيفة "الجامعة الإسلامية " جاء فيه : " نمشي غداً في موكب تشييع صاحب الفضيلة الأستاذ عز الدين القسام رئيس جمعية الشبان المسلمين في حيفا وخطيب مسجدها الكبير وإخوانه الذين استشهدوا في يعبد إلى ونودعهم لحودهم في حيفا . إني لأدعو هذا اليوم الزعماء ورؤساء الاحزاب إلأى السير في الموكب . النحاس باشا زعيم مصر وجميع زعمائها يمشون كل يوم في طليعة جنائز الشهداء ، فهل يمشي زعماء فلسطين مع شبابها في موكب عالم ديني كبير وصحبه المؤمنين ؟ " . [45]

ولما لم يمش معظم الزعماء البارزين في الجنازة ، واصل أكرم زعيتر مهاجمتهم متهماً إياهم بالجبن ومداراة سلطات الانتداب . وقد أخذت لهجة نقده تحتد كلما اقترب موعد تأبين الشيخ القسام وأصحابه والذي حدد لليوم الخامس من شهر كانون الثاني عام 1936 . وقد كانت له اليد الطولى في التحضير لذلك التأبين الذي أقيمت في صالة "زهرة الشرق" في مدينة حيفا وحضره الآلاف من فلسطين وخارجها. ولم يشفع لبعض الزعماء حضورهم التأبين حيث استمر بالمقالات الناقدة للزعامة محاولاً صياغة معنى جديد للقيادة . وقد عبر عن ذلك في مقال نشره في صحيفة الجامعة الاسلامية وقد جاء تحت عنوان " الزعامة الحقة " قال فيه : " لا يجوز أن يطلق لقب زعيم في بلاد مهددة بالانقراض الوشيك والفناء العاجل إلا على المستبسل المستقتل الذي لا يرده عن ركوب اخشن المراكب إلا الموت ، فالزعامة جهاد واستشهاد ، فلا يهتف بعد الآن إلا لمجاهد شهيد أو سجين عنيد أو ثائر مقارع صنديد " .[46] كانت هذه الفترة فترة احتقان لدى المجتمع الفلسطيني بسبب زيادة معدلات الهجرة اليهودية واكتشاف عمليات لتهريب الأسلحة قامت بها بعض المنظمات اليهودية . وقد علا في هذه الفترة شأن الصحافة ومصممي الرأي العام الذين أصبحوا يملون على القيادة السياسية ما يجب فعله من خطوات . [47] كان أكرم زعيتر في طليعة هؤلاء المصممين وقد قرن عمله هذا بتنظيم لجنة قومية في نابلس فور اندلاع الأحداث التي قادت للإضراب العام في منتصف نيسان 1936 . وقد كانت هذه اللجنة بمثابة المثال الذي قامت على نهجه لجان قومية في مدن وبلدات فلسطينية اخرى . [48]

لم يغب نشاط أكرم وتأثيره عن أعين السلطات البريطانية فعمدت لاعتقاله في عوجا الحفير ثم صرفند وكان من أوائل من دخل السجن من طبقة الأفندية والمثقفين حيث كان مجموع فترة سجنه قرابة ستة أشهر ( من العشرين من أيار 1936 وحتى الحادي عشر من تشرين الثاني من نفس السنة ) .[49] بعد مغادرته السجن بفترة قصيرة ، غادر فلسطين إلى بيروت ودمشق وهناك كان عضواً في لجنة الجهاد التي أدارت شؤون الثورة . بعد نهاية الثورة انتقل أكرم زعيتر إلى بغداد وقد لازم المفتي لبضع الوقت وقد شارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني وكان مسؤولاً عن شؤون الدعاية فيها .[50] بعد فشل تلك الثورة غادر إلى تركيا بادئاً مرحلة جديدة في حياته أكدت على دائرة انتمائه العربية الكبرى ومن تبعات هذه الدائرة فسّر أكرم زعيتر نشاطه الدبلوماسي الطويل في المنظومة الدبلوماسية والسياسية الاردنية وهذه قضية لا يتسع المجال لتفصيلها في هذا المقال .

[1] للاستزادة أنظر : هشام شرابي ، المثقفون العرب والغرب . دار النهار بيروت ، 1978 .

[2] للمزيد من التفاصيل عن نظرية غرامشي ، أنظر : جون كاميت ، غرامشي ، حياته وأعماله . ترجمة عفيف الرزاز ، مؤسسة الأبحاث العربية ، 1984 .

[3] غالي شكري ، المنتمي ، دراسة في أدب نجيب محفوظ . القاهرة ، 1964 .

[4] عن ذلك أنظر : بشارة دوماني ، إعادة اكتشاف فلسطين ، أهالي جبل نابلس ، 1700 - 1900 . مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، سلسلة المدن الفلسطينية (3) ، بيروت ، 1998 .

[5] عن تركيبة المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة ، أنظر : محمد عرابي نخلة ، تطور المجتمع في فلسطين . منشورات ذات السلاسل ، الكويت ، 1982 . ص 187 -195 .

[6] محمد عزت دروزة ، مذكرات محمد عزت دروزة ، 1887 -1984 . دار الغرب الاسلامي ، بيروت ، 1993 . المجلد الأول ، ص 522 .

[7] أكرم زعيتر ، بواكير النضال ، من مذكرات أكرم زعيتر ، 1909 -1935 . المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1994 . ص 7 .

[8] المصدر السابق ، ص 8 .

[9] المصدر السابق .

[10] وردت أقوال قسطنطين زريق في الكتاب التأبيني لأكرم زعيتر(ص3 ) والذي جاء تحت عنوان "ذكرى أكرم زعيتر ، أمين ذاكرة الأمة " ، تحرير سري زعيتر وقد صدر في عمان عام 1997 .

[11] بواكير النضال ، مصدر سبق ذكره ، ص 8 .

[12] المصدر السابق ، ص 15 .

[13] المصدر السابق ، ص16

[14] المصدر السابق ، ص18 .

[15] المصدر السابق ، ص 21 .

[16] المصدر السابق ، ص 23 .

[17] التقرير موجود بملفات مديرية التربية والتعليم التابعة لحكومة الانتداب الموجودة في إرشيف وزارة المستعمرات البريطانية ، ملف رقم c.o.733315

[18] عن هذه الصحف أنظر : مصطفى كبها ، تحت عين الرقيب ، الصحافة الفلسطينية ودورها في الكفاح الوطني بين الحربين العالميتين. مركز دراسة الأدب العربي - بيت بيرل ، أ.دار الهدى - كفرقرع ، 2004 .

[19] بواكير النضال ، مصدر سبق ذكره ، ص 35 .

[20] اليرموك ،1929 . 10 . 22 .

[21] عن ذلك أنظر :

Ami Ayalon , The Press in the Arab Middle East ,A History .Oxford University Press ,Oxford ,New York , 1995.pp 95-100.

[22] عن ذلك أنظر : مصطفى كبها ، تحت عين الرقيب ، مصدر سبق ذكره ، ص 72 .

[23] مرآة الشرق ، 1930 .1 .4 .

[24] بواكير النضال ظن مصدر سبق ذكره ، ص 109 .

[25] مرآة الشرق ، 1930 .1 .7 .

[26] المصدر السابق ، 1930 . 2 . 5 .

[27] المصدر السابق ، 1930 .2 . 19 .

[28] المصدر السابق ، 1930 . 4 . 5 .

[29] بواكير النضال ، مصدر سبق ذكره ، ص 139 .

[30] المصدر السابق .

[31] المصدر السابق ، ص 268 .

[32] الحياة ، 1931 . 6 . 15

[33] المصدر السابق ، 1931 . 6 . 30 .

[34] المصدر السابق ، 1931 . 8 . 27 .

[35] بواكير النضال ، مصدر سبق ذكره ، ص 335 .

[36] المصدر السابق ، ص 336 .

[37] المصدر السابق ، ص 361 .

[38] المصدر السابق ، ص 385 -386 .

[39] أنظر على سبيل المثال مقاله الذي حمل عنوان " أيها السماسرة ! كرهنا الحياة لأنكم أحياء " والنشور في صحيفة الجامعة العربية 1932 . 9 . 9 .

[40] بواكير النضال ، مصدر سبق ذكره ، ص 590 .

[41] المصدر السابق ، ص 592

[42] أكرم زعيتر ، الحركة الوطنية الفلسطينية ، 1935 - 1939 . يوميات أكرم زعيتر . مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، 1980 .ص 3 .

[43] المصدر السابق ، ص 5 .

[44] المصدر السابق ، ص 7 -8 .

[45] الجامعة الإسلامية ، 1935 .11 .20

[46] المصدر السابق ، 1936 . 1 .10 .

[47] تحت عين الرقيب ، مصدر سبق ذكره ، ص 213 -230 .

[48] عن ذلك أنظر : أكرم زعيتر ، يوميات ... ، مصدر سبق ذكره ، ص 64 -68 .

[49] المصدر السابق

[50] عن ذلك أنظر : أكرم زعيتر ، من أجل أمتي . عمان ، 1994 .