سليمان جبران: هوامش للغتنا المعاصرةِ
سليمان جبران: هوامش للغتنا المعاصرةِ

 في جلسة أصدقاء قبل مدّة، سألني أحدهم: ما لك ولاستحداث ألفاظ جديدة في اللغة العربيّة؟ ليست اللغة مجال اختصاصك، وتقول إنّ مهمّات تأليف أخرى كثيرة تنتظرك. لماذا لا تقصر جهودك كلّها على إنجاز المهمّات المذكورة ؟

 إلى الصديق المذكور أقول: النقد الأدبي مجال تخصّصي فعلا. لكنّ اللغة مجال متعتي واهتمامي أيضا. النقد الأدبي بيتي و"لقمة عيشي". لكنّ اللغة مجال فسحتي وترويحي  نفسي. ثمّ إنّ نصيحتك هذه جاءت متأخّرة كثيرا. تسديها إليّ بعد نشري كتابا كاملا في اللغة العربيّة المعاصرة ومشكلاتها. دعني أمارس تخصّصاتي وهواياتي. حتّى إذا لم يلتفت إليها أحد. يكفيني شعوري أنّي أقول على الملأ كلّ ما يشغلني. مبدئي، كما ذكرت في موضع آخر: قل كلمتك وامش... لن أغيّر نهجي بعد هذا العمر الطويل!

 المقدّمة القصيرة هذه تسوّغ لي، في طنّي، أن أنشر "بضاعتي"، رغم نصح الصديق المذكور، على كلّ من يرغب في تداولها، فأقول:

 

(1)الجيل والعمر

يبدو أنّ العرب عندنا، في إسرائيل، هم أكثر من يخطئ بالخلط بين هذين اللفظين، بتأثير العبريّة طبعا. في مقال أدبي "محترم"، كتب أحدهم: "عمليّة الكتابة بدأت عندي في جيل صغير". المقصود طبعا: في عمر مبكّر، أو في سنّ  مبكّرة. باختصار:  גיל العبريّة تعني العمر أو السنّ، رغم موافقتها حرفيا لكلمة جيل العربيّة.  أمّا الجيل العربيّة، وتعني: " أهل الزمان الواحد، أو ثلث قرن يتعايش فيه الناس"، فهي في العبريّة: דור. إذن:  גיל: سنّ، عمر. דור: جيل! ملاحظة: ما كنّا نعرض لهذا الخطأ الواضح لولا شيوعه عندنا، على الألسنة، وواجهات الدكاكين، والأقلام أيضا!

 

(2)  نَفِدَ -َ ، نَفَذَ –ُ

هذا البند أيضا نذكره اضطرارا، مثل البند الأوّل. لأنّ كلّ من يفتح القاموس يسهل عليه طبعا التمييز بينهما، لفظا ومعنى. الأول، نفد، بالدال، من باب فرح، عينه أو الحرف الثاني منه، مكسور في الماضي مفتوح في المضارع، كما يظهر فوق. ومعناه: ذهب بكامله، لم يبق منه شيء، أو "خلص" في المحكيّة. نقول: نفد الزاد، نفد ماله، نفد صبره. فإذا قرأتم في نصّ ما: "نفذ صبره، نفاذ الصبر" فهو خطأ طبعا، وصحيحه بالدال. والعبد الفقير قرأها عند كثيرين               في النثر، والشعر أيضا!

  أمّا الفعل الماضي نفذ، بالذال وفتح العين، فيعني: "خرق، شقّ، ثقب". ويعني بتطوّر دلالته:  سرى، صار معمولا به. ومنه طبعا الألفاظ : نفوذ، تنفيذ، نافذة... 

لا ننسَ إذن: نفد -  لم يبق منه شيء، نفذ -  خرق.

 

(3) التحتى، الفوقى، ما العيب فيهما؟

كنّا في طريقنا إلى حيفا. فجأة قرأ رفيقي، على إحدى اللافتات، البلد التحتى. غضب والتفت إليّ سائلا: ما معنى البلد التحتى هذه؟ هل في لغتنا مثل هذه الكلمة؟ ليس في لغتنا مثل هذه الكلمة فعلا، والمصطلح المذكور لي نصيب في "اقترافه"! سألت رفيقي الغاضب:  كيف تريدهم أنت أن يترجموا مصطلح עיר תחתית العبري؟ البلد الدنيا؟ البلد السفلى؟ البلد السافلة؟ في لغتنا المعاصرة اكتسبت هذه الألفاظ دلالة سلبيّة حتى كاد الناس ينسون الدلالة الأولى. ما زالت في البال نكتة عن مدير معارف "مستشرق" في الماضي. المسكين تعلّم العربيّة في الكتب، وفي كلمة له أمام جمهور المعلّمين، تحدّث بالعربيّة. عربيّة مستشرق طبعا. قال المسكين في سياق محاضرته "الجليل الواطي"، فانفجر الحضور ضاحكين، فما كان منه إلا أن استدرك قائلا: آسف، الجليل السافل! للغة معجمها، لكن لها تقاليدها أيضا، والمسكين لم يعرفها إلا في المعاجم!

ثمّ ما العيب في الفوقى والتحتى، بالألف المقصورة، قياسا؟ هل ننبذهما لقيامهما في لغتنا المحكيّة فحسب؟!  

 

(4) ياء المثنّى المنصوب والمجرور قبل الوصل، لماذا الشدّة؟

هذه أيضا من المفروض أن يعرفها كلّ تلميذ في الثانويّة. اعذروني إذا كنّا اليوم نتناول مسائل مفهومة، لكن يخطئ فيها كثيرون، مع الأسف؛ من الصحافيّين، والكتّاب أيضا. المثنّى، وهو مشكلة  للكاتب والخطيب في أحيان كثيرة، يُرفع طبعا بالألف ويُنصب ويُجرّ بالياء: جاء الرجلانِ، رأيت الرجلينِ، مررتُ بالرجلينِ. تذكّرت أيّام المدرسة، فخجلت من نفسي. أرجو أن تطوّلوا  روحكم عليّ. فإذا كان المثنّى مضافا تّحذف نونه لكن علامات الإعراب تبقى كما ذكرنا: جاء ولدا الجارِ، رأيتُ ولدَيِ الجارِ، مررتُ بولدَيِ الجارِ. الياء في النصب والجرّ كان من حقّها السكون،  وتحرّك بالكسر منعا لالتقاء الساكنين. لكنّها لا تشدّد طبعا. مرّة أخرى أشعر بالخجل، تذكّرتني في المدرسة، أشرح أمام الصفّ. عفوا!

 

(5) لجنة الحكم؟!

في ظنّي أنّ هذا الخطأ هو من "إنتاج" وسائل الاتّصال اللبنانيّة.  هناك سمعتها غير مرّة. اعذروني إذا كانت وسائل اتّصال أخرى تشارك اللبنانيّين خطأهم هذا. ليست هناك لجنة حكم طبعا، هي لجنة تحكيم!. أمّا الحكم "فهو من يُختار للفصل بين المتنازعين". ألم يخاطب المتنبي سيف الدولة، معاتبا، في ميميّته الشهيرة:

يا أعدل الناس إلا في معاملتي /  فيك الخصامُ وأنت الخصم والحكمُ

اللجنة إذن هي لجنة تحكيم، والرجل هو الحكم، كما في لعبة كرة القدم!

 

(في العربيّة؟Due diligence(6) كيف نقول גילוי נאות ,

هذا مصطلح معاصر شائع. أصله من مجال الاقتصاد. لكنّ المصطلحات  في عصرنا هذا تهاجر من مجال إلى آخر بسرعة وسهولة. ليس هناك، في هذا العصر المذهل، علم أو مجال معرفة منغلق على نفسه. ما يهمّنا هنا، مثلا، هو دلالة المصطلح المذكور في الصحافة، والأدب أيضا.

إذا كتب صحافيّ، مثلا، نقدا أو عرضا لصحيفة أخرى، أو للصحيفة التي يعمل فيها، فمن اللياقة أن يكشف للقارئ ما هو عمله، وأين يعمل، لكي يقرأ الناس ما كتبه، وهم على بيّنة مسبقا بشأن كاتب المقال. عمله وموقعه لا بدّ أن يؤخذا بالحساب في كلّ ما يكتبه أو يصرّح به. كذلك الأمر أيضا، حين يُجري صحافيّ مقابلة في التلفزيون مع كاتب أو صحافي، أو رجل أعمال، هو جاره وصديقه.

أكتب مثلا عرضا لمجموعة شعريّة كتبها صديقي أو قريبي. من حقّ القارئ عليّ أن أكشف له من البداية أن الشاعر، موضوع العرض أو النقد، هو صديقي أو قريبي. في أحيان كثيرة يكون الأمر معروفا للقاصي والداني، بحيث يقرأ الناس المكتوب، من البداية، آخذين الحيطة في ما يعرض لهم في المقال من تقريظ مغال. فيعتبرون ما يقرءون محاباة بعيدة عن الموضوعيّة.

في العربيّة يمكن تسمية ما يجب على الكاتب المذكور كشفه لقارئه، في مقالته الناقدة أو العارضة - "الكشف اللائق". يعني: قبل قراءتك مقالتي اعرف أن الشخص المذكور في عرضي أو نقدي هو أخي. إنّه كشف لائق لا بدّ منه إذا توخّينا الموضوعيّة!

 

(7) كيف نقول ديفولت أو בררת מחדל في العربيّة؟

هذا مصطلح من عالم الإنترنت. أنا شخصيّا لا أرى ضرورة ترجمة كلّ مصطلح إنجليزي إلى اللغة العربيّة. لا بأس في استيعابه كما هو في الأصل إذا أمكن تأقلمه في بيئته الجديدة، مثل مراثون، أو تعريبه إذا صعب على العربيّة "هضمه"، مثل فلسفة، وفي العصور الوسطى استوعبت لغتنا العربيّة آلاف المصطلحات على هذا النحو.

 المصطلح المذكور جاءنا من عالم الإنترنت. يمكننا أوّلا تعريبه، فنقول ديفولت أو ديفُلْت إذا شئنا استيعابه في وزن عربيّ. المصطلح العبري لا يدخل في حسابنا طبعا. لأنّ العبريّة تأخذ عن اللغة الإنجليزيّة مثلنا أوّلا، ولأنّها غير معروفة خارج حدود إسرائيل، ثانيا.

لكن ما هو الديفلت، إذا رغبنا في ابتكار مصطلح عربيّ بديل؟ إنّه عمليّة تتّخذها البرمجيّة  بنفسها، إذا لم يفعل المستخدِم ذلك. في العبريّة لم يترجموا المصطلح حرفيّا، وذلك يحسب لهم، بل أطلقوا عليه مصطلح بريرات محدال. أي الخيار الذي يؤخذ به في حالة التقصير أو الإغفال أو الامتناع عن اتّخاذ أيّ خطوة.

في العربيّة، عدنا إلى "معجم الكيلاني" لمصطلحات الحاسوب، ففسّره على النحو التالي: "افتراض يتّخذه النظام أو مترجم اللغة عندما لا يُمنح اختيار محدّد من قبل البرنامج أو المستخدِم"، واقترح البديل العربيّ "القيمة الفرضيّة، الأساسيّة، المبدئيّة". طبعا، مقترح واحد لا يكفي!

 

عدنا إلى كتب ومعاجم أخرى فرأيناها تقترح: "الخيار الافتراضي" بديلا للديفلت. وهو اقتراح معقول، عيبه الوحيد أنّه من كلمتين؛ ما يجعل استخدامه وتصريفه في لغتنا العربيّة يواجه بعض الصعوبة. أنا شخصيّا أفضّل الديفلت!