حوار مع أبرز مؤسّسي مجمع اللّغة العربيّة البروفسور ساسون سوميخ
حوار مع أبرز مؤسّسي مجمع اللّغة العربيّة البروفسور ساسون سوميخ

حاوره: سيمون عيلوطي*

ولد البروفسور ساسون سوميخ في بغداد عام 1933 وتخرج فيها من مدرسة "شماس" الثانويّة عام 1951، وهي السنة التي هاجر فيها إلى إسرائيل حيث درس العلوم الأدبيّة واللّغويّة في جامعة تل أبيب والقدس، ثم انتقل إلى جامعة أكسفورد في بريطانيا حيث حصل على الدكتوراه، وكانت أطروحته حول أدب الكاتب المصري نجيب محفوظ. شغل منصب رئيس قسم اللّغة العربيّة وآدابها مدة عشر سنوات في جامعة تل أبيب. حاز عام 2005 على جائزة إسرائيل، وهي أكبر جوائز الدولة، تقديرًا لمساهماته في بحث الأدب العربيّ وترجمته إلى العبريّة. أصدر البروفسور سوميخ أكثر من عشرين كتابًا من  الكتب البحثيّة بالعربيّة والإنجليزيّة والعبريّة عن كتّاب وشعراء وقضايا مركزيّة في الأدب العربيّ المعاصر، منها دراسات مستفيضة عن أدب نجيب محفوظ ويوسف إدريس ومجموعة كبيرة من الشعراء والأدباء العرب المعاصرين. كما نشر عام 1991 دراسة شاملة (بالإنجليزيّة) حول قضية اللّغة في الأدب العربيّ الحديث. وقد اهتمّ بترجمة الشعر العربيّ المعاصر إلى اللّغة العبريّة، فنشر على مدى خمسين عامًا مجموعات من الشعر مترجمة إلى اللّغة العبريّة للعديد من الشعراء العرب.

للبروفسور ساسون سوميخ علاقات وثيقة بعدد كبير من الكتّاب والأدباء العرب المعاصرين، كان منهم الكاتب الرّاحل نجيب محفوظ، الذي كانت له معه لقاءات ومراسلات نُشر بعضها في الصّحف. كما نشأت بينه وبين الكاتب المصري يوسف إدريس علاقات صداقة حارّة، وقد خصص سوميخ لأدب إدريس ثلاثة من كتبه البحثيّة.

حال وصوله إلى البلاد انضمّ إلى أسرة مجلّة "الجديد" الأدبية الشهريّة وكان عضوًا في هيئة تحريرها. أسس عام 1954 مع زميله المرحوم دافيد صيمح "ندوة أصدقاء الأدب العربيّ في تل أبيب"، وعمل في أواخر الخمسينات سكرتيرًا علميًا لمجمع اللّغة العبريّة في القدس. لم ينقطع سوميخ عن كتاباته في الصحف المحليّة والمجلات العامة لأكثر من خمسين عاما، فنشر المقالات عن الأدب العربيّ في ملحق "هآرتس" وغيرها من الصّحف، والكثير من المقالات التي كانت بمثابة أبحاث قصيرة حول قضايا الصّلات الأدبيّة بين الأدبين العربيّ والعبريّ. أسس في أواخر التسعينات زاوية خاصة في هآرتس أسماها "اختراق الحدود" تطرق فيها بانتظام إلى موضوع الصّلات الأدبيّة بين الثقافتين واللغتين."وهو إلى جانب ذلك يُعتبر من أبرز مؤسّسي مجمع اللّغة العربيّة في الناصرة الذي اعتمدنا على ما نُشر في موقعه لتقديم هذا الحوار.

*بروفسور سوميخ: اعترافًا بما قدّمته للأدب العربيّ الحديث من دراسات وأبحاث قيّمة، وتقديرًا لمساهمتكَ في تأسيس مجمع اللّغة العربيّة في إسرائيل، فقد كرّمكَ المجمع بعضوية شرف، وذلك باحتفالٍ مهيب أقيم قبل نحو سنتين في حيفا، أدارته الدكتورة كلارا سروجي- شجراوي وتحدّث فيه البروفسور سليمان جبران والبروفسور محمود غنايم، رئيس المجمع. سؤالي هو: كيف نشأت فكرة إقامة هذا المجمع، وبماذا يختلف عن أشقّائه، مجامع اللّغة العربيّة في الوطن العربيّ؟

*فكرة إقامة مجمع لغوي عربي في إسرائيل- نشأت قبل عشرة أعوام أو أكثر في أوساط المثقفين الفلسطينيين في شمال البلاد، وكان المجمع مؤسسة أهليّة غير رسميّة يجتمع أعضاؤه لتداول مشاكل لغويّة، خاصة حول مكانة اللّغة في المجتمع وكان بعض المشاركين يشعر بهبوط مستوى العربيّة في المدارس وخارجها وبتكاثر الاقتباس من اللّغة العبريّة في اللغة العامية. وقبل سبعة أعوام أو ثمانية، حينما كان السيد غالب مجادلة وزيرا للثقافة، تقرّر تكوين مجمع رسمي له قانونه الدّاخلي وميزانيّته السنويّة التي هي جزء من ميزانيّة الدولة. وفي الجلسة الأولى للمجمع تمّ انتخاب البروفيسور محمود غنايم رئيسا للمجمع والبروفيسورة إلينور صايغ حداد كنائبة للرئيس. ومقرّ المجمع هو في مدينة الناصرة.

 وظائف المجمع لا تختلف مبدئيا عن وظائف المجامع اللّغويّة في الدول العربيّة (مصر، سوريا، العراق إلخ) ولعلّ الفرق الأساسي هو أن المجتمعات العربيّة في الدّول العربيّة ليس لديها تعقيدات مع لغة ثانية تنافسها في بعض المجالات كما هو الحال بين العربيّة والعبريّة في بلادنا، وفعلا تشكّل هذه المعضلة واحدة من أهم المواضيع التي يناقشها المجمع في جلساته إلى جانب قضايا أخرى كابتكار المصطلحات وقضايا تدريس اللّغة في المدارس والجامعات وتأليف القواميس والإرشادات اللّغويّة.

*هل ترى بأن مجمع اللّغة العربيّة الذي أنت عضو فخري فيه، استطاع أن يترك البصمه الخاصّة به، التي تميّزه عن غيره من المجامع الأخرى؟

2- المجمع النّصراوي هو مؤسسة جديدة لم يمر أكثر من 5 سنوات على انتخاب لجانها المتخصّصة. أجل، هذه اللجان تعمل جاهدة على إعلاء شأن اللّغة واقترح أن نتحلى بالصبر وننتظر سنوات أخرى قليلة لنرى ما هي التّأثيرات الفعليّة للمجتمع على الحياة اللّغويّة.

*في كتابك "بغداد أمس" - وقد صدر باللّغتين العبريّة والإنجليزيّة، وترجمه د. محمود عباسي عن العبريّة إلى العربيّة - تحدّثتَ عن ذكرياتك في العراق، متوقّفاً بتوسّع عند جوانب مشاركة الطّائفة اليهوديّة في مختلف شؤون الحياة في هذا البلد، فهل كان هناك ما يؤشّر إلى تضييق الخناق حول أبناء هذه الطّائفة، ما أدّى أخيرا إلى صدور قرار بإسقاط الجنسيّة عنهم، ثمّ تهجيرهم؟

*«بغداد، أمس» هو الجزء الأول من ترجمتي الذاتيّة، صدر أول ما صدر بالعبريّة (عام 2004)، ثم ترجم إلى التركيّة والإنجليزية والعربيّة (ترجمها الدكتور محمود عباسي). في هذا الجزء أحاول أن أعرض صورة لحالة التّعايش التي سادت بين الجالية اليهوديّة التي نشأتُ فيها وبين مسلمي المدينة، وهم اغلب سكانها. وفي ثلاثينات القرن الماضي، بعد صعود النازيّة في ألمانيا، تأثرت بعض الأوساط البغداديّة بالدّعاية النازيّة وكان نتيجة هذه الدّعاية نشوء تصدّع بين أتباع الدّيانتين مما أدّى في نهاية الأمر إلى أحداث «الفرهود» المأساويّة. عام 1941  وصل التّحريض إلى أن بعض سكان بغداد هاجموا بيوت اليهود وزرعوا فيها القتل والدّمار.. وفي أواخر الأربعينات نشبت الحرب في فلسطين وتدهورت أحوال اليهود رغم أنهم كانوا أبعد ما يكون عن هذه الحرب، وعام 1950 غادر أغلب يهود العراق، وعددهم أكثر من 120.000 شخص، وانتقلوا إلى إسرائيل في عمليّة سميت بـ"إسقاط الجنسيّة" ويعتبرها البعض كطرد جماعي لطائفة كاملة. وكنت وعائلتي من بين هؤلاء المهجّرين.

*كنتَ في مدينتكَ بغداد، مشاركًا في الحياة الثقافيّة والأدبيّة، وقد جمعتْ بينكّ وبين عدد من شعراء العراق روابط صداقة. أذكر منهم: محمّد مهدي الجواهري، عبد الرزّاق عبد الواحد، رشيد ياسين، بُلند الحيدري، حسين مردان، أكرم الوَتَري،  بدر شاكر السيّاب. كنتَ آنذاك تكتب الشّعر وتغامر في نشره. هل تعطينا فكرة عامة عن حركة الشعر العراقي في تلك الفترة.. ثمّ لماذا توقّفت عن كتابة الشعر؟

*غادرتُ بغداد عام 1951 وكان عمري آنذاك أقل من  18 عاما، وكنت في العامين الأخيرين لتواجدي في العراق أعتبر نفسي «أديبا ناشئا» وفي هاتين السنتين بدأت ارتاد المقاهي البغداديّة التي يجتمع الأدباء الشباب حول طاولاتها البسيطة، وأصبح بعض هؤلاء الأدباء في السنوات التالية من كبار المجددين في الشعر العربي المعاصر، ومن هؤلاء بدر شاكر السياب، وبُلند الحَيْدري وعبد الوهاب البياّتي وأكرم الوَتَري وحسين مردان. وبتأثير من بدر السيّاب والآخرين بدأت أنظم الشعر بالطريقة المعروفة اليوم بالشعر الحر أو بشعر التّفعيلة. وعام 1951 وصلتُ إلى إسرائيل ولم أكن متمكّنا من اللّغة العبريّة، فكان من الطّبيعي أن أواصل الكتابة بالعربيّة وفعلا بدأت انشر القصائد في الصّحافة العربيّة المحليّة وبعد أن تعلمتُ العبريّة  وبدأت محاولاتي للكتابة بها، وإني لفَخُور لأني من خلال التصاقي باللّغة العربيّة حاولت، قدر الإمكان، إنشاء جسر بين اللغتين والأدبين.
----------------------------------------------------------------------------

 

 

 

حوار مع أبرز مؤسّسي مجمع اللّغة العربيّة البروفسور ساسون سوميخ(2)

 

أثار البروفسور ساسون سوميخ في لقائنا السّابق  معه عدة أمور، تمحورت حول تأسيس مجمع اللّغة العربيّة، ذكرياته التي تناولها في كتابه "بغداد أمس"، علاقته بعدد من شعراء العراق وتهجير أبناء الجالية اليهوديّة عن أراضيه.. رأينا في هذا اللّقاء أن نتوقّف معه عند عدد آخر من المحطّات التي نراها مفصليّة في حياته وأبحاثه فتوجّهنا له بما يلي:

*هل لكّ أن تحدّثا عن بداية عهدكَ في البلاد؟

*عندما وصلتُ البلاد، وكنتُ في مفتتح شبابي، كانت معرفتي بالعبريّة تكاد تكون معدومة. أما بالنسبة للغة العربيّة فكان في البلاد مجموعة صغيرة من الكتّاب والمثقفين العرب، وذلك لأن ألوف من المثقفين الفلسطينيين في البلاد كانوا قد فارقوها وبدأوا يعيشون في المهاجر أو في الضّفة الغربيّة. وكان بعض الباقين في إسرائيل يعملون في صحافة الحزب الشيوعي. وكانت الناصرة بالذات مركزا هاما استمر المثقفون الفلسطينيون في حياتهم الثقافية كعرب وكفلسطينيين، وأذكر من بين المثقفين العرب في الناصرة وشمال البلاد، إميل حبيبي وحنا أبو حنا وعصام عباسي وغيرهم فأخذت أسافر إلى الناصرة وحيفا متى ما تسنى ذلك. وأذكر أني كنت أتوجّه إلى مقهى العين في الناصرة حيث كنت أجتمع بالشعراء والكتّاب المحلّيين أذكر منهم المرحوم جمال قعوار والمرحوم توفيق زيّاد، والمرحوم صليبا خميس والمرحوم ميشيل حداد. ولم تنقطع زياراتي الشبه أسبوعيّة للناصرة حتى خلال الشهور الثلاثين التي قضيتها في الخدمة العسكريّة فكنت أنتهز عطلات آخر الأسبوع فأهرع إلى الناصرة وأنا في لباسي العسكري...

إميل حبيبي، قابلته في مكاتب الاتحاد التي كان يحررها، وذلك في شارع الخوري في حيفا وكان عمره آنذاك أقل من 30 عاما.

*حين هاجرتّ مع أغلبية يهود العراق إلى إسرائيل، سنة 1951، توجّتَ في كتاباتك الأدبية نحو صحف اليسار، فكتبتَ مقالاتك وترجماتك لعدد من المؤلفات الأدبيّة العريبّة، في مجلّة جمعيّة «بريت شالوم» التي سعت إلى تشجيع التعايش بين اليهود والعرب، وفي صحيفة «كول هَعام» - صوت الشعب، التي كان يصدرها الحزب الشيوعي، كما انشغلتَ في تلك المرحلة بالأدب المصريّ، أكثر من انشغالكَ بالأدب العراقيّ الذي عايشته وكوّنتَ صداقات حميمة مع عدد من أعلامه... لماذا..؟ 

فعلا، كرّستّ سنوات كثيرة من حياتي الأكاديميّة في دراسة الأدب المصري المعاصر وتحقيقه، ذلك أن أهم حركات التّجديد منذ بداية القرن العشرين ظهرت في مصر بالذات (طه حسين، الحكيم، محفوظ، إدريس وغيرهم)، ولكني لم أبتعد كثيرا عن بقيّة المراكز الأدبيّة العربيّة، فالأدبين العراقي والفلسطيني كانا دائما في مركز وجداني الأدبي، كما أن الأدب اللبناني كان قريبا إلى نفسي وفعلا كتبتُ أبحاثا غير قليلة عن الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة وغيره.

*تُطلعنا بعض المصادر بأنّكَ تنتمي إلى عائلة تتمتّع برؤية علمانيّة للحياة عمومًا، وتنظر باحترام إلى الآخر المختلف.. ربّما هذا هو ما دعاكّ أن تذكر باعتزاز بعض المدرّسين الّذين علّموكّ في المرحلة الثانويّة، ومنهم: الدّكتور ألطّلائعيّ، حسين مروّة، صاحب كتاب "النّزعات الماديّة في الإسلام". هل كان لهذا الأستاذ دور في بلورة وصقل فكركّ في الاتّجاه العلمانيّ؟

*عائلتي البغداديّة كانت علمانيّة رغم انتمائها إلى الجاليّة اليهودية، ودرس جميع أبناء العائلة في مدارس الطّائفة اليهوديّة، أما بالنّسبة للعلمانيّة فقد كانت منتشرة في  الطّبقات اليهوديّة الوسطى منذ عشرينات القرن العشرين ورغم تمسّك أبناء الطائفة بيهوديّتهم، فأغلب أصدقائي في المدرسة وخارجها لم تكن عائلاتهم متديّنة إلا فيما ندر.

*حصلتَ على شهادة الدكتوراه من جامعة أوكسفورد في لندن،سنة 1968 وهي الدّراسة التي بحثتّ فيها ثلاثيّة نجيب محفوظ (بين القصرين، قصر الشوق والسّكَريّة). وقد حازت كتاباتكَ ودراساتكَ لأدب هذا الأديب الكبير على بالغ تقديره، إذ وجّه لكَ رسالة بخط يده يعبّر فيها عن ذلك. ما هي أهم النّقاط التي لفتت انتباهه، في تقديرك، ولم يأت عليها في تلك الرّسالة؟

*عندما ذهبت إلى جامعة أوكسفورد (التي قضيتُ فيها 3 سنوات،967 -1968) كان نجيب محفوظ كاتبًا هامًا لكنه لم يكن بعد زعيمًا لهذا الأدب، ففي عام 1967 كان بين الكتاب العرب الأحياء طه حسين وتوفيق الحكيم،والعقاد وميخائيل نعيمة وغيرهم. وقد تزعّم نجيب محفوظ الرواية العربيّة في الستينات وما بعد وذلك بعد نشر ثلاثيته القاهرية "بين القصرين" بثلاثة أجزائها. وكان المشرف على اطروحتي في اوكسفورد المرحوم الدكتور محمد مصطفى بدوي المصري الأصل،وقد نشأت بيننا صداقة حميمة استمرت حتى بعد انتهائي من الدراسة بل ظلت حية حتى وفاته قبل سنتين.أما صداقتي مع نجيب محفوظ فكانت بدايتها بعد نشر اطروحتي عن رواياته التي نشرت عام 1973 في هولندا. وقد حاولت إرسال نسخة من الكتاب المطبوع لعنوان الروائي الكبير ولكنها لم تصله.ولكن الدكتور محمد يوسف نجم الفلسطيني الأصل والأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت، عثر على الرواية في المكتبة الجامعية فصورها على آلة التصوير وأتى بها إلى نجيب محفوظ، فقرأها مرة أو أكثر من مرة (وكان ما يزال في حالة صحية تمكنه من قراءة كتاب كامل).وعندما أتمّ قراءتها، صرّح للروائي المصري جمال الغيطاني بما يلي:  

في الآونة الأخيرة أعطاني الدكتور محمد يوسف نجم صورة بحث لباحث من جامعة تل أبيب اسمه ساسون سوميخ لقد كتب بحثًا طويلاً أعتَبرُهُ من أخطر ما كتب عن الثلاثية، رد فيه على كل ما كُتب من نقد بخصوصها. وقال إن جوهرها هو موقف الإنسان أمام الزمن. الحقيقة أنني دهشتُ بسبب الدقة وعمق البحث. وهذا يعطيك فكرة عن مدى اهتمامهم بواقعنا، ذلك الاهتمام الذي نفتقده نحن أحيانا. وجوابًا على سؤال آخر للغيطاني صرح محفوظ: "لا بد من إيجاد علاقة بين إيقاع الزمن والشكل الفني". وأذكّر القارئ أن عنوان كتابي الإنجليزي هو "الإيقاع المتغيّر"، وكأن محفوظ قال الجملة الأخيرة معقبا على اسم كتابي وموضوعه، الذي هو في الواقع العلاقة بين الزمن وإيقاع النص القصص.

*خصّصتَ جانبًا هامًا من دراساتكَ لأدب القاص المصري يوسف إدريس أيضا... ما هي، في رأيك، الأسباب والمعايير التي جعلت لجنة التّحكيم لجائزة نوبل تمنح جائزتها لمحفوظ وليس لإدريس، مع انه يستحقّها وفق رأي العديد من النّقاد؟

*طبعا لا علاقة لي باللجنة التي تنتخب فائري نوبل، ولكن الواضح أن يوسف إدريس، رغم عبقرّيته الأسلوبيّة والأدبية، لم تبلغ سعة إنتاجه ربع إنتاج محفوظ، ولا نجد بين كتبه نصا متميزا كثلاثية نجيب محفوظ.

*قمتَ بترجمة ديوان "جغرافيا بديلة"، للشاعرة المصريّة إيمان مرسال، من العربيّة إلى العبريّة، فقامت الدّنيا ولم تقعد في مصر، احتجاجًا على مباركة الشاعرة لهذه الخطوة التي اعتبرها بعض الأدباء والنّقاد نوعًا من أنواع التّطبيع الثّقافيّ بين مصر وإسرائيل، مع أن هناك كتابا مصريّين كبارا تُرجِمت لهم من قبل أعمالا إلى العبريّة، مثل: نجيب محفوظ، صنع الله إبراهيم، يوسف إدريس وتوفيق الحكيم، بالإضافة إلى ترجمة العديد من الأعمال الأدبيّة الفلسطينيّة إلى العبريّة. والسؤال هو: هل الديوان موضوع حديثنا يستحق من ناحيتي الفن والمضمون أن نغامر من أجله ونتحمّل بسببه الانتقاد الذي وصل عند البعض حدّ الهجوم؟

*فكرة التّطبيع مع إسرائيل أخذت عند بعض الكتّاب المصريّين معنى لا صلة له بالمعنى الأصلي. فهؤلاء الكتّاب يرون في فكرة التّطبيع استسلاما للثقافة الإسرائيلية، وهي في رأيي فكرة وهميّة. والشاعرة إيمان مرسال ردّت على نقّادها بمقال جريء نشرته  لها مجلّة "أخبار الأدب" القاهريّة.

*ما دمنا بصدد التّرجمة. هل هناك قصيدة معيّنة من شعر محمود درويش، قمتّ بترجمتها إلى العبريّة، وتعتزّ بترجمتها أكثر من ترجمتكَ قصائد أخرى للشاعر الفلسطيني الفذّ؟

* تعرّفتُ على المرحوم محمود درويش وهو بعد شاعر ناشيء، وذلك حين انتقل للسكن في حيفا في أواخر الخمسينات، وكان أحيانا يفاجئني بقصيدة جديدة من قصائده قبل نشرها. وأنا من جماهير عشاق شعر درويش، فقد ترجمتّ عشرات من قصائده إلى العبريّة خلال السنوات الأربعين الأخيرة، وأستعد الآن لجمع مختارات من ترجماتي له في كتاب. وفي السنوات الأخيرة ترجمتُ بعض مطولاته مثل «لاعب النرد» و»سيناريو جاهز مسبقا» ونشرتها في الملحق الأدبي لجريدة "هآرتس".

*الشخصيّة العربيّة، في الكثير من الأعمال الأدبيّة العبريّة الحديثة، يتم تصويرها على أنها مهلهلة، متخلّفة، لا يُؤتمن جانبها. لماذا في رأيك يقابل هذا التّصوير بالصمت خاصة من الكتّاب اليهود المحسوبين على  حركة اليسار؟

 

*الشخصية الأدبية في الأدب العبري ليست متهافتة كما تظن. والكثير من الكتّاب والشعراء الإسرائيليين يعالجون «الموضوع العربي» باحترام وتعاطف تام مع العربي، والفلسطيني بشكل خاص. أذكر منهم الشاعرة المرحومة دالية رابيكوڤيتش، والمسرحي الكبير حانوخ لڤين وكذلك روائيين كبار من أمثال داڤيد غروسمان، وسامي ميخائيل، والشاعر الكبير نتان زاخ، وأخيرا وليس آخرا الأديب الشاب ألموغ بيهار وخاصة في قصته «أنا من اليهود» التي حازت قبل سنوات على الجائزة الأولى في مباراة جريدة هآرتس في مجال القصة القصيرة. وخصصت لها مجلّة "الهلال" المصريّة بابًا خاصًا.