لقاء مع البروفسور سليمان جبران
لقاء مع البروفسور سليمان جبران

حول مجمع اللغة العربيّة في الناصرة:

لقاء مع البروفيسور سليمان جبران

أجرى اللقاء معه: سيمون عيلوطي*

* بروفيسور حبران، واكبتَ عمل مجمع اللغة العربيّة منذ تأسيسه، وكنت عضواً بارزًا فيه. هل لك أن تحدّثنا، بشكل عامّ، عن دور هذا المجمع في إعلاء شأن اللغة العربيّة، ومكانتها في المجتمع؟    

* النشاط "المجمعي"، في الواقع، سبق إنشاء المجمع. في البداية كنّا نلتقي، مجموعة من المثقّفين والأدباء المهتمّين باللغة العربيّة، في عبلين. في ضيافة الأب إلياس شقّور، المطران شقّور لاحقا. لكنّ اللقاءات تلك لم تثمر شيئا مادّيا.

ثمّ كان تأسيس نواة المجمع الأول، بمبادرة المرحوم موفّق خوري، نائب المدير العامّ لوزارة الثقافة يومها. كان المرحوم يحوّل لميزانيّة "المجمع" بعض المال، ليستطيع "المجمع" القيام بنشاطاته. في آخر السنة عادة، حين يتّضّح للأستاذ خوري مدى قدرته الماليّة في مساعدتنا. قمنا ببعض النشاطات والإصدارات، في هذه الظروف، لكنّها لم تكن كافية.

القفزة النوعيّة كانت سنة 2007. في هذه السنة سنّت الكنيست قانون المجمع للغة العربيّة. لا بدّ لي هنا من التنويه بدور السيّد غالب مجادلة، وزير الثقافة يومها، في التحضير للقانون وإقراره في الكنيست. أقولها صريحة: لولا جهود السيّد مجادلة وتعاون السيّد مالكيئور، رئيس لجنة التربية في الكنيست، لما أنشئ مجمع رسميّ للغة العربيّة في البلاد. سافرت يومها إلى القدس، وشاركت في جلسة اللجنة، لأكون شاهد عيان على ما أقول!

 كالعادة، بعد تأليف المجمع وانتخاب هيئاته، انشقّ بعض الإخوة فخرجوا من المجمع. لكلّ منهم كانت أسبابه طبعا، وواجبنا احترامها. لكنّها كلّها لم تكن أسبابا موضوعيّة، في نظري على الأقلّ!

بعد تشكيل المجمع، وانتخاب هيئاته، استأجرنا للمجمع مقرّا في حيفا، وأخذ المجمع يعمل بجدّ، في نطاق الممكن مادّيا وإنسانيّا. في هذه السنة، 2014، رأى المجمع أن ينتقلّ بمقرّه ونشاطه إلى الناصرة، لأسباب كثيرة، موضوعيّة ومادّيّة.

* شغلت في مجمع اللغة العربيّة منصب رئيس لجنة الأبحاث والنشر. ما هي المعايير التي تجعلكم تقرّون نشر هذا البحث أو ذاك؟

* كان لي الشرف فعلا في رئاسة لجنة الأبحاث والنشر، منذ انتخاب هيئات المجمع حتّى هذه السنة. في بداية هذه السنة اضطررت، لأسباب شخصيّة قاهرة، إلى الاستقالة من المجمع ومن مهمّاته كلّها. بقيت "عضو شرف"، يعني بدون مسؤوليّات أو واجبات. لكنّي أحسّ، عاطفيّا على الأقلّ، أني من المجمع وإليه "رغم طول النوى وبعد المزارِ". إي والله!

في الفترة المذكورة نشرنا كتبا كثيرة. بعضها في اللغة وأكثرها في النقد الأدبي، وكنّا نودّ لو كانت النسبة معكوسة.

 أودّ التأكيد هنا أنّ معاييرنا في النشر كانت موضوعيّة كلّها. طبعا بشأن الطلبات التي قدّمت للجنة. لا يمكننا  نشر كتاب لم يتقدّم صاحبه بطلب لنشره.

* قدّمت قبل فترة استقالتك من المجمع، لتتفرّغ لدراساتك وأبحاثك، فاعتبرك المجمع بعد ذلك "عضو شرف". ما معنى ذلك.. هل من تفسير أخر، يجعلنا نقف عند هذا الأمر بشكل أوضح من الأمور التي ذكرتها؟

* طرقت هذا الأمر، باختصار، في إجابتي السابقة. "عضو شرف"، في رأيي، معناه أني من المجمع، كما كنت سابقا، لكنّي لا أعمل فيه كما كنت. قلت إنّ استقالتي كانت لأسباب شخصيّة تماما. إذا أردت الإلحاح، شأن الصحافيّين، فالأسباب صحيّة يعني. لم أعد أستطيع القيام بمهمّاتي كما يجب، وكما أرغب، فاستقلت. لأني لا أحبّ التقصير ولا المقصّرين. على كلّ حال، الدكتور حسين حمزة الذي انتخبه المجمع رئيساً لهذه اللجنة قدّ المسؤوليّة.

* كتبت مؤخّرا عدّة مقالات حول تعريب بعض المصطلحات، وحول الترجمة من اللغات الأخرى إلى العربيّة، ألا ترى أنّك لو قمت بالتنسيق مع مجمع اللغة العربيّة لأفدت هذا الموضوع أكثر؟

* ما أقوم به في هذا المجال هو جهد فردي، غير منهجي أيضا. أختار بعض المصطلحات "الإشكاليّة" فأعالجها، بوسائلي الفرديّة الضيّقة، وأقترح حلولا. في كتابي "على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربيّة المعاصرة"، عرضت أيضا لكثير من مشاكل لغتنا المعاصرة، وموضوعة ابتكار المصطلحات الجديدة بالذات. كتاباتي اللغويّة كلّها من باب "التطفّل" طبعا. أنا رجل أدب، والنقد الأدبي هو موضوع كتبي "الرسمّية" كلّها قبل اعتزالي العمل في الجامعة. باختصار: النقد الأدبي هو الزوجة الشرعيّة، واللغة هي العشيقة!

أمّا المجمع فتتوفّر في عمله الشموليّة والتخصّص طبعًا، ولا أظنّ مجمعنا مقصّرًا في هذا المجال. طبعا في نطاق قدراته وظروفه الموضوعيّة.

* مقالك حول إلغاء وزارة المعارف لتعليم القواعد العربيّة، أثار ردود فعل كثيرة، بين معارض ومؤيّد، السؤال هو: أين المؤسّسات الثقافيّة، والسلطات المحليّة العربيّة، وأعضاء الكنيست العرب، ومحبّو اللغة العربيّة وغيرهم، من هذا القرار؟    

* الواقع أن الفضل في المقال المذكور يعود للأستاذ صالح أبو عيشة من المكر. بعث لي الأستاذ أبو عيشة، على غير معرفة سابقة، نسخة من رسالة للسيّدة راحيل متوكي، تبلغه فيها "أنّه ألغي تعليم القواعد بشكل مستقلّ في المدارس الابتدائيّة العربيّة". تذكّرت عندها كيف ألغوا، في الماضي، درس "المحفوظات" أيضًا. لم يفهم كثيرون منا يومها مغزى هذا الإلغاء، لكنّنا اليوم فهمناه طبعا، بعد أن لمسنا "نتائجه" واضحة في النشء الجديد من أبنائنا. هكذا كان المقال المذكور.

تسأل أين المؤسّسات، والسّلطات، ورجال السياسة، ومحبّو العربيّة، من هذه الخطوة الخبيثة. لا أريد أن أظلم أحدا. لعلّ السادة الذين عددتهم منشغلون بأمور ومجالات أخرى، فلم يسمعوا بالقرار المذكور، أو سمعوا لكنّهم لم يقدّروا مراميه ونتائجه. كان الله في عونهم!

* قُدّم في الآونة الأخيرة اقتراح قانون لإلغاء رسميّة اللغة العربيّة في البلاد. كيف تردّ على ذلك؟

* أردّ أنّ الأمر لم يفاجئني، صدّقني. كثيرون من "أولي الأمر" تتأذّى أسماعهم من الكلام بالعربي في الأمكنة العامّة. لماذا يجب التذكير ببقائنا هنا، على أرضنا، وفي قرانا؟

طوال سنين كانت العربيّة "لغة رسميّة" على الورق، فلماذا تذكّرهم "عدالة"، أو المحكمة العليا حتّى، بأنّ العربيّة لغة رسميّة في هذه البلاد؟ لماذا التذكير أصلا بالمواطنين العرب الذين بقوا في بيوتهم، وعلى أرضهم، حتّى أصبحوا في السنوات الأخيرة خمس سكان "إسرائيل اليوديّة الديمقراطيّة". لعلّه يجدر بي  تذكيرهم أيضا أنّ "رسميّة" العربيّة ورثوها عن الإنجليز بالذّات. منذ  سنة 1922. فلماذا يكفرون بفضل الإنجليز في هذا المجال، وينسون أفضالهم في مجالات أخرى؟!

* كيف تقيّم عمل مجمع اللغة في الناصرة، وكيف تنظر إلى المجامع العربيّة في الوطن العربي؟      

* المجمع في الناصرة يعمل كلّ ما يستطيع، وأكثر قليلا. ولا يكلّف الله مجمعا إلا وسعه. نخطئ إذا حسبنا أنّ مجمعنا الصغير يمكن أن يؤثّر تأثيرا كبيرا في "البحر العربي الزاخر".

قبل أكثر من ثلاث سنوات، كتبت أنّ عالمنا العربي"عالم مترامي الأطراف، دول كثيرة مستقلّة وعدد هائل من السكّان، ومؤسّسات، وإذاعات، وفضائيّات، وصحف لا تُعدّ فعلا، ومجامع لغويّة، بدل مجمع واحد مشترك، لا تكاد تعمل، وإذا عملت فلا تكاد تُسمع. لذا فإنّ اللغة العربيّة لا تتطوّر بمساعدة المؤسّسات والهيئات، بل يمكن القول إنّها تتطوّر، رغم المؤسّسات ورغم "الغيورين" الذين يعترضون على كلّ تجديد في المعجم أ و النحو، كما لو كان التجديد عملا منكرا...". أرجو أن أكون أخطأت في حكمي ذاك، وأن تهبّ على مجتمعاتنا، وعلى لغتنا، تبعا لذلك، رياح التغيير والتطوير والتجديد!

* بودّك أن تضيف شيئا؟

ج. أرجو، أخيرا، من كلّ قلبي، التطوّر المطّرد لمجتمعاتنا ولغتنا . وإن كنت، لا يمكنني الكذب على نفسي أو على القراء، لا أرى ذلك في المدى المنظور!!