حفل تأبين لذكرى الراحل د. حبيب بولس
حفل تأبين لذكرى الراحل د. حبيب بولس
أقيم مساء يوم السبت الموافق 25.8.2012 الساعة السادسة مساءً في قاعة مركز الأحداث الأرثوذكسي في الناصرة، حفل تأبين لذكرى الراحل د. حبيب بولس عضو مجمع اللغة العربية والمحاضر في الكلية العربية للتربية، وذلك بحضور جمهور واسع من الشخصيات السياسية والاجتماعية، ومحبي الراحل.
يُشار إلى أن الحفل أقيم برعايةمجلس الطائفة الأرثوذكسية الناصرة، مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية والإبداع، الحزب الشيوعي والجبهة، مؤسسة محمود درويش للإبداع، مجمع اللغة العربية ومعهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والإسرائيلية.

اشتمل الحفل على كلمات في رثاء الراحل مستعرضين أهم محطات حياته البارزة بما في ذلك إسهاماته التي تركت أثرًا في مجتمعنا العربي. وكان من بين المتحدثين عزمي حكيم رئيس مجلس الطائفة الأرثوذكسية، عضو الكنيست محمد بركة، أديب أبو رحمون، بروفسور نعيم شحادة، المحامي نبيل حايك، رئيس المجمع بروفسور محمود غنايم، وابنة الفقيد نجوان بولص.
وفي حديث مع بروفسور غنايم، أكد على خسارة الكاتب والناقد د. بولس الذي عُرف بدماثة خلقه وغناه الثقافي الذي انعكس بنشاطاته المختلفة في سلك التربية والتعليم، وبوعيه السياسي لقضية شعبه. وقد اعتبر بروفسور غنايم هذا الحفل خطوة أولى لا بد منها تخليدًا لذكرى الراحل.
 
 
 
 
 
 

أيها الأثيريّ...!             

وما زالت ضحكُته تجلجل في فضائي منذ أكثرَ من خمسةٍ وأربعين عامًا، ذلك الإنسان حبيب، وقد التقينا طلابًا يافعين على مقاعدِ الدراسة في نهاية الستينات، شبابًا دون العشرين في دارِ المعلمين في حيفا نحمل أحلامًا مفرودةً وآمالا عريضةً كرحابة الصبا وطموحِ الشباب. كان حبيب يملأ الدنيا بمرحه وجذله وحبِه للحياة. رأيت فيه منذ لقائِنا الأول شابًا واعيًا يحمل قضيتَه على كتفيه وهو يتشبث بها آنذاك بأظافرِه الناعمة.

وتفرقت بنا السبل لألتقيَه ثانية بعد عشرِ سنينَ عجافٍ في قضايا الوطن والأمة، كان يناهز الثلاثين، يأتي على عجل إلى جامعة تل أبيب في نهاية السبعينات، وقد انشغل بصقل شخصيته وتكوينِ رصيدِه العلمي والثقافي والوطني.كان يصل في ساعاتِ ما بعد الظهيرة عادةً وكثيرًا ما تناكفْنا وأوغلنا في النقاشات بين الضحك والحبور. ومنذ ذلك التاريخ توطدت بيننا العَلاقة ولم نفترق لا في فرح ولا ترح.

الإنسان حبيب غرف من الحياة بطولِها وعرضِها، وكأنه كان على علم بأنه سيغادر هذه الدنيا مبكرًا. كان فيه ذلك الشيءُ الذي تعشقُه من النظرة الأولى. جمعتنا عن بعدٍ تارة وعن قربٍ تارة أخرى همومُ الحياة والأدب. كان فلاحًا وقرويًا ومن طبقةٍ كادحة وابنَ هذه الارض، وذاك البلد، كفرياسيف، يعتزّ بالبيت الـمُقنطرِ وبالتعاليلِ وبالمواسم والزيتونِ والأعيادِ وطقوسِها وكلِّ ما يصلُه بالأرض والوطن والتراث، إلا أنه كان خاصًا في فكرِه وعلاقاتِه وحبِّه وعيشِه، يكاد يكون، وأخشى أن أقول، أرستقراطيًا في ذوقِه وإحساسِه وترنمِه، ما كان غليظَ الطبع ولا جافًا بل مرهفَ الحس، وكما يقولون كان بلسمًا للروح ودواءً للآلام والجروح.

وكم أحبّ مسقَطَ رأسِه وأجلّه وغازله كعشيقة وداوره كحبيبة ومالأه كطفل، وهو يقول: "وكفر ياسيف، مسقطُ الرأس، كفر ياسيف الأهلُ .. المصدرُ والإيحاءُ والاستلهام، هي مثالٌ لقرانا، هي المبتدأُ والخبر، هي الأمسُ والمستقبلُ، هي حقًا العاصمةُ بأهلِها وعاداتِها وعلمِها وثقافتِها وحضارتِها" (قرويات، ص 8).

هذا هو الإنسان...

ومن هذا الإنسانِ خرج حبيب المثقفُ الواعي لهموم شعبِه، والسياسيُ الذي ما نكص يومًا عن ساحات النضال. بوعي المثقف ورؤيةِ السياسي كان يكتب، فكانت "أنطولوجيا القصة العربية الفلسطينية القصيرة في نصف قرن" عملاً موسوعيًا أثبت من خلاله ارتباطًا بالجذور وتماهيًا مع الفعلِ والكلمة والتصاقًا بالثقافةِ الفلسطينية المقيمة.

وكذا كان حبيب الناقد الذي يأرقُ من أجلِ الحرف ويدافعُ عنه حتى آخرِ رمقٍ عبرَ ما يربو على عشرةِ كتب في الدراسة والنقد.

والأستاذُ الملهَم الذي وهب جلَّ ما عندَه لطلابِه وبقي طودًا صامدًا على رجليه حتى اللحظاتِ الأخيرة يرفِدُ القولَ بالفعل واللسانَ بالقلم ليضعَ أمام الطلابِ والناشئة ستةَ كتبٍ أخرى مساعدةٍ تُعينُهم على الدرسِ والدخولِ إلى الأدبِ عربيًا وعالميًا.

ورجلُ الإعلام بذاك الصوتِ الجهْوريِّ الرنان، وتلك الموسوعيةِ التي يشار لها بالبنان، وتلك الارتجاليةِ الآسرةِ التي يتمتع بها المتلقي كما يتنسمُ بكارةَ زهرةٍ بللها الندى. إن هذه الحلقات التلفزيونية ذخيرةٌ نفيسةٌ لا بد من تخليدِها بجمعِها وتحريرِها. ومجمعُ اللغة العربية أخذ على عاتقه هذا العملَ وفاءً للدكتور حبيب، عضوِ المجمع.

ومهما قلت في حبيب الكاتبِ والإعلاميِّ والمعلمِ أعود دائمًا إلى أصلِ ذلك كلِّه ومنبعِه، فأذكره إنسانًا ذواقةً في الحياةِ كما في الأدب، وسيمًا، انتقائيًا وطفلاً حتى آخرِ أيامه. حادثته تليفونيًا قبل غيابِه بعدةِ أيام، ومن حديثِه وتَرحابِه ورنّةِ صوتِه ما حسبت أنه مغادرٌ بعد أيام.

ألا قد ذهبتَ ولم تنذر، ونحن الذين صلّينا أن تنتصرَ في هذه المعركة الأخيرةِ كما انتصرتَ في معاركَ أخرى. ركابُك الإقدامُ كان دائمًا وما استعصى عليك منال. وأخيرًا رفعت يدًا للتحية والسلام ثم الوداع. فباسمي ونيابةً عن مجمع اللغة العربية ومؤسسةِ محمود درويش، نقول لك ما قال جبران

وكم على الأرضِ من نبتٍ بلا أرَجٍ
والموتُ في الأرضِ لابن الأرض خاتمةٌ
وكم علا الأفقَ غيمٌ ما به مـــطرُ
وللأثــــيـريِّ فــهو البـــــــدءُ والظـــــفـــرُ      
 فاخلُدْ أيها الأثيريُّ فقد أحببناك...